• حكم الاعتداد بإيمان أهل الكتاب بعد الإسلام

    علمت بما اطلعت عليه من مجلدات المنار الأغر رأيكم في معنى الإسلام وهو ما هدتني الفطرة إلى فهمه من قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: 78].

    ولم أكن أقرأ المنار، ولكن أشكل عليّ -حفظكم الله تعالى- ما يلوح من كلامكم في هذا الغرض من أن الإسلام الذي تكون به النجاة في الآخرة هو الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح من أي أمة كان صاحبه وفي أي زمان وجد ومكان فهل رأيكم -رفع الله بكم قواعد الدين- أن الذين هادوا والنصارى اليوم يفوزون يوم الجزاء برضوان الله تعالى إذا هم آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا الصالحات وإن كفروا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، والذي كنت أفهم من معنى الإسلام ولن أزال أفهم أنه الإيمان بالله واليوم الآخر وتصديق الرسل، فمن آمن بموسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام قبل بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم مُسلم عندي بلا شك، كتبت إليك لأكون على بينة من رأيكم، فإني لا أدين بالظنون واللوائح، ولا أسكن إلى ما تمليه عليَّ الظواهر، وقد استفدت هذا الخلق من قراءة ما تكتبون والله يحفظكم.[1]

    لكل مقام مقال ونحن قد صرحنا من قبل في بعض المقامات بأن الإيمان هو كما عرفه النبي صلى الله عليه وسلم أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى، وفسرنا الإسلام في التفسير بما علمه السائل الفاضل ورضيه، وقال: إن الفطرة هدته من قبله إلى فهمه، وهو ما يتبادر من القرآن الحكيم، ونفسره في مقام آخر بما جاء في الحديث من الأعمال أو الأركان الخمسة، وفي مقام آخر بأنه الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مجموعه، ونحن نرى السائل هنا فسر الإسلام بالإيمان بالله واليوم الآخر وتصديق الرسل، وهذا التفسير ليس هو الذي فهمه من القرآن، ولا هو الذي ورد في الحديث في جواب جبريل، ولا هو الذي يفسره به العلماء، وهو يعرف ما ورد في الحديث وما قاله علماء العقائد في تفسيره كما يفهم المراد من استعمال القرآن، وإنما غرضه هنا أن يبين أن الإيمان بالرسل من أصول الدين الإسلامي وهو كذلك.

    ثم إننا بيَّنَّا في مقام آخر أن المقصد من الدين الذي جاء به جميع الرسل من عند الله هو الإيمان بالله واليوم الآخر وعمل الصالحات، لأن هذا هو ما تتزكى به الأنفس وترتقي به الأرواح وتستعد لمنازل الكرامة في الآخرة والنجاة من العذاب. والرسل عليهم الصلاة والسلام هم الوسيلة لتعليم البشر هذه المقاصد وهل يمكننا أن نقول غير ذلك في مقام تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62]. وفي تفسير ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا[١٢٣] وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 123 - 124].

    وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السُّدِّيِّ قال: التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى فقال اليهود للمسلمين: نحن خير منكم، ديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن على دين إبراهيم ولن يدخل الجنة إلا من كان هودًا، وقالت النصارى مثل ذلك، فقال المسلمون: كتابنا بعد كتابكم، ونبينا صلى الله عليه وسلم بعد نبيكم، وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم فنحن خير منكم؛ نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا. فأنزل الله تعالى ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: 123] -إلى قوله-: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125]. فأنت ترى أن القرآن الحكيم قد ناط دخول الجنة وسعادة الآخرة بالإيمان والعمل الصالح في مقام إنكار المفاخرة بين أهل الكتاب والمسلمين.

    وذلك أن أهل الكتاب جعلوا مقصد الدين وقطبه الذي يدور عليه أمر النجاة والسعادة في الآخرة هو الانتماء إلى أنبيائهم وأنهم إنما ينجون بجاههم لا باتباعهم وإقامة ما جاؤوا به من الهداية فكان مثلهم ومثل من اتبع سننهم من المسلمين كمثل عبيد جعلهم سيدهم في مزرعة؛ ليعمروها وينتفعوا بها ويستعينوا بما فيها من ثمرات على إصلاح شأنهم وإعداد أنفسهم لمقام خير منها في جوار السيد، وأرسل إليهم عبدًا آخر من عبيده المتعلمين المهذبين بكتاب بيّن لهم فيه ما يوجبه عليهم من الأعمال فبلغهم هذا العبد الرسول رسالة سيده وسيدهم فصدقوه وأقام بينهم عاملاً بالكتاب حتى مات، ثم لم تكن فتنتهم إلا أن تركوا العمل بالكتاب واتباع ذلك الرسول الفاضل في أعماله وآدابه واعتقدوا أن ذكر اسمه بالخير والمبالغة في تعظيمه وتعظيم كتاب السيد بالقول يغنيان عن العمل الذي تعمر به المزرعة، ويرتقي به أهلها ويكونون أهلاً لما وعدهم به السيد من المقام الكريم إذا هم أقاموا كتابه.

    أرأيت إذا كان أهل المزرعة فريقان: فريق منهم صدقوا الرسول ولم يعملوا بما جاء به من عند السيد، وفريق آخر لم تبلغهم رسالته أو بلغتهم على وجه لا يحرك إلى النظر ولا يؤدي إلى الاقتناع ولكنهم علموا بالنظر العقلي أو بتعليم رسول سابق كان أرسله السيد من قبل، إن الذي يرضيه من عمران المزرعة هو كذا وكذا، وأن الذي يحب أن يكونوا عليه من العلم والآداب فيما بينهم هو كذا وكذا وعملوا بذلك بقدر طاقتهم على حسب اجتهادهم، أيكونون مرضيين عند سيدهم أم لا؟ وهل يعقل أن يكذب العبد الطائع الخاضع رسول سيده ومولاه ويرفض دعوته ويرد رسالته؟ كلا إنه لا يعقل أن تبلغ المؤمن بالله واليوم الآخر القائم بالأعمال الصالحات دعوة رسول من عند ربه فيردها ويجحدها وإنما يفعل ذلك من فسد إيمانهم، وساءت أعمالهم فاتبعوا أهواءهم. فأنا لا أصدق أن المؤمن بالله واليوم الآخر العامل للصالحات من أهل الكتاب تبلغه دعوة نبينا صلى الله عليه وسلم على وجهها، ويردها لأن من كان على شيء من العِلم والخير، وتبين له علم أعلى من علمه وأكمل، وخير أرقى مما هو عليه وأفضل؛ يرى نفسه مضطرة إلى قبول ذلك ولا يصرفه عنه وهو من مقتضى فطرته إلا حسد وعتو وكبر ملكن على نفسه أمرها ويندر أن يكون ذلك من المؤمنين الصالحين، فأنا أحكم على من بلغته دعوة الإسلام بشرطها وردها بقوله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]. وفي القرآن دلائل كثيرة على ما قلنا.

    بعد كتابة هذا راجعت كتاب فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة[2] لأبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى فرأيته يشير إلى أن من بلغته الدعوة بدليلها تنبعث نفسه بطبعها إلى النظر إن كان من أهل الدين والخير، قال بعد بيان حكم الضالين من هذه الأمة ما نصه: «وأما من سائر الأمم فمن كذبه صلى الله عليه وسلم بعدما قرع سمعه على التواتر خروجه وصفته ومعجزته[3] الخارقة للعادة، كشق القمر وتسبيح الحصى ونبع الماء من بين أصابعه، والقرآن المعجز الذي تحدى به أهل الفصاحة وعجزوا عنه. فإذا قرع سمعه ذلك فأعرض عنه وتولى ولم ينظر ولم يتأمل ولم يبادر إلى التصديق فهذا هو الجاحد الكاذب وهو الكافر. ولا يدخل في هذا أكثر الروم والترك (كان الترك في زمن الغزالي وثنيين) الذين بعدت بلادهم عن بلاد المسلمين بل أقول من قرع سمعه هذا فلا بد أن تنبعث به داعية الطلب ليتبين حقيقة الأمر إن كان من أهل الدين ولم يكن من الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فإن لم تنبعث هذه الداعية؛ فذلك لركونه إلى الدنيا وخلوه عن الخوف وخطر أمر الدين وذلك كفر، وإن انبعث الداعية فقصر في الطلب فهو أيضًا كفر بل ذو الإيمان بالله واليوم الآخر من أهل كل ملة لا يمكنه أن يفتر عن الطلب بعد ظهور المخايل بالأسباب الخارقة للعادة فإن اشتغل بالنظر والطلب ولم يقصر فأدركه الموت قبل تمام التحقيق، فهو أيضًا مغفور له ثم له الرحمة الواسعة. فاستوسع رحمة الله تعالى ولا تزن الأمور الإلهية بالموازين المختصرة الرسمية» اهـ.

    هذا وإن السائل الكريم يعلم أن المسلمين لا يعنون بالدعوة إلى دينهم ولا سيما على الوجه الذي يحرك إلى النظر في هذا العصر -ولكل عصر من المحركات النظرية ما هو خاص به- بل هم لا يبالون بتعليم المنسوبين إلى الإسلام حقيقة الإسلام، فقد أهمل هذا الدين حتى صار علماؤه على قلتهم جاهلين بكتابه وسنته وعاجزين عن النهوض بحجته، إلا أفرادًا شذاذًا يظهر الواحد منهم بعد الواحد في بعض الأقطار بالمصادفة والاتفاق، بل باستعداده الخاص وحوادث الزمان، وأكثر هؤلاء الملايين من المسلمين لم يلقنوا شيئًا من أمر دينهم حتى إن منهم في بعض أنحاء الهند من لا يعرف من الإسلام إلا جواز أكل لحم البقر الذي يخالفون به جيرانهم الوثنيين، ومنهم في روسية من هم أجهل من هؤلاء، بل أخبرني أحد أئمة العسكر البحرية أمس أنه كان يسأل الجماهير من أفراد العسكر الأناطوليين عن دينهم ونبيهم فيقولون: ديننا العسكرية البحرية ونبينا السلطان عبد الحميد.

    ولولا الأوقاف التي وقفها السلاطين والأمراء وأهل الخير من الأمة على العلماء الذين يشتغلون بعلوم الدين وبعض المناصب الشرعية التي يقصد بها الرزق لما رأيت في الآستانة ومصر وتونس وفاس وغيرها من البلاد عشر معشار من تجد من المعممين الذين يذيبون أدمغتهم في حل رموز هذه الكتب المعقدة أو المعسلطة التي اختاروها من تصانيف المسلمين بعد ضعف العلم فيهم حتى كأنها كتب منزلة يتعبد بها، وما هي والله بالكتب التي يمكن لقارئها أن يظهر بها حقيقة دعوة الإسلام وحجة الله به على العالمين، بل نرى أكثر الممارسين لها قد نفروا المسلمين عن الإسلام فما بالك بغيرهم.

    هذا ما حملنا على بذل النفس والنفيس في السعي إلى تربية إسلامية وتعليم إسلامي تظهر بهما دعوة الإسلام وحجته، وتنقذ الملايين المسلمين من الجهل بدينهم ودنياهم الذي صاروا به حجة على الإسلام تنفر عنه الأنام، وفتنة للكافرين، تبعدهم عن حقيقة الدين ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الممتحنة: 5].


    [1] المنار ج13 (1910) ص572-576.

    [2] أبو حامد الغزالي، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، القاهرة، مطبعة الترقي، 1901. ص77-78.

    [3] وردت «بعدما قرع سمعه التواتر عن خروجه وصفته ومعجزاته» في النسخة التي حققها سليمان دنيا سنة 1961. صفحة 207.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 335 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة