• تعليق التمائم على السيارات

    بيان من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برقم (23407) في حكم تعليق التمائم على السيارات وغيرها

    إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ، ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل به ، ومن يضلل فلا هادي له ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى آله وصحابته أجمعين ، وبعد :

    فإن من عوائد الجاهلية التي نهى عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحذر أمته منها اتخاذ التمائم التي يعتقد بعض الناس أنها تدفع العين وتمنع الضرر كالقلائد والخرزات التي تعلق على الأولاد والبهائم بقصد دفع العين والحسد ؛ لأنها من جنس الشرك بالله تعالى ، الذي مقته الله وجعله سببًا للحرمان من الجنة ؛ حيث قال تعالى : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ وقال تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾

    وقد روى الإمام أحمد ، عن عقبة بن عامر الجهني - رضي الله عنه - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقبل إليه رهط ، فبايع تسعة وأمسك عن واحد ، فقيل له : يا رسول الله بايعت تسعة وتركت هذا ؟ قال : إن عليه تميمة ، فأدخل يده فقطعها فبايعه ، وقال: من علق تميمة فقد أشرك»[1] . قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) : رجال أحمد ثقات.

    وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «إن الرقى والتمائم والتولة شرك»[2] . رواه أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ، والحاكم ، وصححه وأقره الذهبي .

    ومما يدخل في ذلك : تعليق التمائم على السيارات ، حيث توضع خرقة في مقدمة السيارة أو مؤخرتها يعتقد أنها تدفع الحسد وتمنع الحوادث ، فإن هذا من جنس عمل أهل الجاهلية حيث كانوا يقلدون البهائم خوفًا عليها من العين ، وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقطعها ، فعن أبي بشير الأنصاري - رضي الله عنه - ، أنه كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره ، فأرسل رسولاً « أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت»[3] متفق عليه ، قال الإمام مالك - رحمه الله - : أرى ذلك من العين ، أي : نهاهم عن تعليقها ؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن تقليد الخيل بالأوتاريدفع عنها العين والأذى ، فتكون كالعوذة لها فنهاهم ، وأعلمهم أنها لا تدفع ضررًا ولا تصرف حذرًا .

    وقد شدد علماء الحنفية في ذلك ورأوا أنه شرك ، قال الإمام الطحاوي الحنفي : (ذلك عندنا - والله أعلم - ما علق قبل نزول البلاء ليدفع ، وذلك ما لا يستطيعه غير الله - عز وجل - ، فنهى عن ذلك لأنه شرك) .

    وقال الزيلعي الحنفي : التميمة خيط يربط في العنق أو في اليد في الجاهلية ليدفع المضرة عن أنفسهم على زعمهم ، وهو منهي عنه .

    وقال الخادمي الحنفي : (ويستدل بهذا الحديث على منع الناس أن يعلقوا على أولادهم التمائم والخيوط والخرزات وغير ذلك مما تختلف أنواعه ، ويظنون أن ذلك ينفعهم ، أو يدفع عنهم العين ومس الشيطان ، وفيه نوع من الشرك أعاذنا الله تعالى من ذلك ، فإن النفع والضر بيد الله لا بيد غيره) .

    وقد دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على من اتخذ تميمة ، سواء كانت على نفسه أو ولده أو بهيمته أو سيارته ، فروى الإمام أحمد ، وأبو يعلى ، والطبراني ، عن عقبة بن عامر الجهني - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : «من علق تميمة فلا أتم الله له ، ومن علق ودعة فلا ودع الله له»[4]. وصححه الحاكم ، وأقره الذهبي .

    وقوله - صلى الله عليه وسلم - :  «فلا أتم الله له»[5]  دعاء عليه أن لا يتم الله له ما أراد من دفع المكروه بالوسيلة المحرمة ، وقد وقعت حوادث شنيعة لبعض الذين عقدوا على سياراتهم هذه الخيوط ، فلم تنفعهم وعرفوا معنى قول الله تعالى :  ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:107].

    وروى أحمد ، والترمذي ، والطبراني ، عن عبد الله بن عكيم الجهني - رضي الله عنه - ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :  «من تعلق شيئا وكل إليه»[6]  صححه الحاكم.

    وحسب الإنسان خذلانًا أن يتخلى الله عن حفظه ويكله إلى مخلوق ضعيف لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًا ، وإنا نهيب بإخواننا المسلمين أن يحذروا من وسائل الشرك ، وأن يحسنوا في توكلهم على الله تعالى وحده لا شريك له ، فهو حسبنا ونعم الوكيل .
    اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين[7].



    1) مسند أحمد بن حنبل (4/156).
    2) سنن أبو داود الطب (3883) ، سنن ابن ماجه الطب (3530) ، مسند أحمد بن حنبل (1/381).
    3) صحيح البخاري الجهاد والسير (3005) ، صحيح مسلم اللباس والزينة (2115) ، سنن أبو داود الجهاد (2552) ، مسند أحمد بن حنبل (5/216) ، موطأ مالك الجامع (1745).
    4) مسند أحمد بن حنبل (4/154).
    5) مسند أحمد بن حنبل (4/154).
    6) سنن الترمذي الطب (2072) ، مسند أحمد بن حنبل (4/403).
    7) صدرت بتاريخ 17/11/1426 هـ .

التعليقات

فتاوى ذات صلة