• القدر وحديث خلق الإنسان شقيًّا وسعيدًا

    إني أرجو إفادتي عن أمرين، فإنكم خير من يرجى للإفادة.

    الأول- إنكم قد تكلمتم على القدر وعلى حقيقة معناه في مناركم المنير مرارًا، وقد عاودتم الكلام عليه في هذا المنار الأخير عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: 71]. ومما قلت في هذا الشأن قولك: «ثم إنك إذا ذكرتهم يسلون في وجهك كلمة القدر، ومثل الحديثين اللذين ذكرهما الرازي» أما أنا إذا ذكرتهم بهذا المعنى الصحيح أعتقده قديمًا وقلت لهم: إن القدر عبارة عن أن المسببات تجيء على قدر أسبابها لا تزيد عنها ولا تنقص، وإن أمور الكائنات جارية على نظام محكم وناموس متقن وسنة حكيمة فإنهم يشهرون في وجهي حديثًا جاء في البخاري عن عبد الله رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ».

    هذا الحديث أيها الأستاذ مشكل من وجوه:

    أولًا- أنه ينافي صريح القرآن، فإنه يفيد أن الأمور مكتوبة على وجه التحتيم والجبر على أمر بعينه لا على معنى ارتباط الأسباب بالمسببات، ولا ريب أن ذلك يخالف صريح القرآن فإنه من أوله إلى آخره يحث على الأخذ بأسباب السعادة والبعد عن أسباب الشقاوة، ويدل على أن للسعادة أسبابًا سواء كانت دنيوية أو أخروية، وأن للشقاوة أسبابًا كذلك.

    ثانيًا- أن تحتيم الشقاوة الذي يستفاد من لفظ الكتابة المذكورة في هذا الحديث يشبه أن يكون ظلمًا منه تعالى، والله منزه عن الظلم كما جاء في غير موضع من القرآن.

    ثالثًا- أن هذا الحديث مؤيد لعقيدة أهل الجبر التي ما كانت تعرف في الصدر الأول، وإنما فشت في المسلمين بعد ذلك، وصارت من أقوى عوامل ضعفهم وانحطاطهم.

    رابعًا- أن هذا الحديث معارض بحديث «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» فهذا يفيد أن كل مولود يولد على الخير، وذاك يفيد أن البعض يولد شقيًّا والبعض سعيدًا. وبالجملة فإن هذا الحديث قد أشكل عليّ أمره، ولم أجد حكيمًا يشفي ما في صدري سوى حكمتكم الشافية، فأرجو أن تسعفوني بالدواء الناجح؛ لما سببه لي هذا الحديث من الأمراض والشبهات.

    الثاني- إني رأيت في مناركم الأغر التنويه بفضل الشيخ القاوقجي، وأنه من مشايخكم ولكني وجدت له منظومة يتعبدون بتلاوتها أرباب طريقة القادرية بدمياط، وهو يقول في أولها:

    يا ربنا بالهيكل النوراني ... قطب الوجود ومنجد العيان

    غوث الورى وغياثه وملاذه ... الباز عبد القادر الجيلاني

    ويقول في آخرها:

    أو أنشد القاوقجي يدعو راغبًا ... يا ربنا بالهيكل النوراني

    ولا يخفى أن قوله: (ومنجد العيان) وقوله: (غوث الورى وغياثه وملاذه) ينافي التوحيد، بل هو من الشرك الجلي، فإن القرآن يقول: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ﴾ [الأنعام: 17]. ويقول: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: 38]، ويقول: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ [الفتح: 11]. ويقول: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب: 17]. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة جدًّا، بل أكثر القرآن جاء لإثبات التوحيد ونفي الشرك.

    فقد حملتني الغيرة عليك وعلى شيخك فأعلمتكم بذلك؛ لتمحو عن سيرة شيخكم ما يشينها وتثبتوا لها ما يزينها، وإني كنت مصدقًا بنسبة هذه المنظومة إلى الشيخ القاوقجي رحمه الله قبل أن أعلم من حضرتكم التنويه بفضله وأنه شيخكم، فالأمل إفادتي بما هو الحق والحقيقة، جعلكم الله ملجأ للسائلين وإمامًا للمتقين، وإن يكن عندكم مانع من إفادتي بجريدة المنار، فأرجو الإفادة بكتاب مخصوص يكون عنوانه هكذا...

    القدر وحديث: «إن أحدكم يجمع خلقه»: ليس في الكتابة الإلهية لما يكون عليه الإنسان في مستقبل أمره شيء من معنى الجبر والإكراه الذي تبادر إلى فهمكم، وإنما هي عبارة عن ضبط الأمر الذي يجري بقدر ونظام، ومثاله من أعمال البشر ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: 60].

    سير القطارات الحديدية بنظامها المعروف، وسير البريد في البر والبحر يكتب لهذا وذاك نشرات يذكر فيها الأيام والساعات والدقائق التي يسير فيها البريد، والتي يصل فيها إلى بلد كذا وبلد كذا، وليس في هذه الكتابة ما يجعل سير القطارات والمراكب وحركات عمالها خارجة عن نظام الأسباب والمسببات في خواص النار والماء والبخار، ولا ما ينافي اختيار العمال الذين يتولون الأعمال في هذه القطارات والمراكب، ونقل البريد منها في أعمالهم.

    إن الكتابة عبارة عن ضبط العلم بالشيء، والعلم نفسه لا يتعلق بالأشياء تعلق إيجاد وتكوين، وإنما يتعلق بها تعلق انكشاف وإحاطة، فلا إجبار ولا تحتيم، وإنما يكتب الشيء على ما يكون عليه، ونحن نعرف بالضرورة من أنفسنا؛ أن ما نحن عليه هو أننا مختارون في أعمالنا الصالحة وغير الصالحة، وهي أسباب السعادة والشقاوة.

    وكونها مكتوبة لا يمنع هذا، كما أن كتابة سير القطارات والمراكب من أول الشهر مثلًا لا يقتضي أن يكون سيرها بغير الأسباب، بل هو بالأسباب، ومن العلماء من ينظم هذه الكتابة في سلك التمثيل بكون علم الله بالأشياء ثابتًا لا يتغير ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: 52].

    ومن الفرق بين كتابة الناس والكتابة الإلهية أن الناس يعلمون بما أوتوا من العلم بالأسباب؛ أن قوة البخار إذا كانت كذا فإن القطار أو المركب يسير في الساعة كذا ميلًا، وأن المسافة بين مصر والإسكندرية كذا ميلًا، وبين الإسكندرية والأستانة كذا ميلًا، وأن السير يكون في ساعة كذا، فيكون الوصول في ساعة كذا، ولكنهم لا يعلمون ما عساه يطرأ من الأسباب التي تحول دون ذلك، فيترتب عليها الإخلال بهذا النظام، كما يقع ونشاهده ونسمع به؛ من تعطل آلة أو حدوث رياح أو سيول تجرف بعض الخطوط الحديدية. والله سبحانه يعلم جميع ما يطرأ على عبده مما يجري في سلسلة الأسباب الظاهرة للعبد، والأسباب الخفية عنه، ولا يخفى على الله شيء.

    والمسألة التي ذكرت في آخر الحديث من أدق العلم بالله وسنته؛ لأنها مخالفة بحسب الظاهر لسنة الله تعالى في كون المرء يموت على ما عاش عليه؛ لأن الأعمال تؤثر بالتكرار في النفس فتطبعها على الحق والخير أو على ضدهما، فكيف يمكن إذًا أن يعمل الإنسان بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيعمل بعمل أهل النار، والعكس.

    الجواب عن هذا لا يفهمه حق الفهم إلا خواص الغواص على دقائق المعاني، ويمكن تقريبه إلى أذهان الجمهور بالمثال، فمثل الذي يعمل بعمل أهل الجنة حتى يقرب بتزكية نفسه وتهذيبها منها، فيترك العمل لها، وينغمس في الباطل والشر الذي هو عمل أهل النار؛ كمثل رجل ضعيف البنية مستعد للأمراض القاتلة، جرى على قواعد حفظ الصحة في طعامه وشرابه وعمله ورياضته، حتى لم يبق بينه وبين المتمتعين بكمال القوة والصحة إلا فرق قليل، فاغتر بنفسه وأسرف في أمر صحته بالتعرض لمرض قاتل كالسل أو الهيضة أو الطاعون فهلك، ومثل الذي يعمل بعمل أهل النار من اقتحام الباطل واقتراف أعمال الشر، حتى تكاد تحيط به خطيئته وتصير الأباطيل والشرور ملكة حاكمة عليه، فيترك كل ذلك فجأة وينقلب إلى ضده؛ كمثل رجل قوي البنية كامل الصحة غرّته قوته، فأقبل على ما يفسد الصحة كشرب المسكرات والإسراف في الشهوات، حتى إذا ساء هضمه وضعفت قواه وكاد يكون حرضًا أو يكون من الهالكين، تنبه من غفلته وثاب إلى رشده، فجرى على قوانين الصحة بغاية العناية والدقة، فنجا مما كاد يبسله ويهلكه.

    كل من هذا وذاك مما يقع قليلًا، والأكثر أن من يطول عليه العهد في مزاولة الأعمال النافعة أو الضارة لا يعود عنها، والأعمال البدنية كالأعمال الروحية وسنن الله تعالى فيهما متشابهة.

    فتبين بهذا أن الحديث لا يخالف ما في القرآن من إثبات الأسباب، واختيار الإنسان ومطالبته بالعمل، ولا يثبت عقيدة الجبر، ولا يشير إلى اتصاف البارئ تبارك وتعالى بالظلم؛ لأنه لا يفيد معنى التحتيم والجبر، بل كل ما يفيده هو أن كل ما يعمله الإنسان ثابت في العلم الإلهي على ما يكون عليه في الواقع، والواقع أن سعادة الإنسان أو شقاءه بعمله الاختياري، ولو علمت أنا أن الأمير يسافر في يوم كذا من القاهرة في ساعة كذا، فيصل إلى الإسكندرية في وقت كذا، ثم يسافر منها في ساعة كذا من يوم كذا إلى الآستانة، فيصل إليها يوم كذا، إلى آخر ما يمكن أن أقف عليه من حاشية الأمير مثلًا، لو علمت هذا وكتبته في دفتر عندي أو في المنار، فهل يقتضي ذلك أن يكون ذلك السفر بإجبار مني لأنني علمت به، وأن يكون الأمير غير مختار فيه؟ لا، لا، فإن تعلق العلم والكتابة ليس تعلق إلزام ولا إيجاد كما قدمنا، وإنما أعدناه لزيادة الإيضاح.

    ثم إن الحديث لا يناقض حديث: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» سواء كان المراد بالفطرة الخير أو الاستعداد المطلق؛ لأنه إنما يدل على علم البارئ تعالى بما يطرأ على الفطرة السليمة من التربية الحسنة والقدوة الصالحة التي تسوقها إلى الارتقاء في الحق والخير، فيكون صاحبها تام السعادة، أو من التربية السيئة وقدوة الشر التي تفسدها وتجعل صاحبها شقيًّا.

    فإذا بنت شركة (كشركة واحة عين شمس) عدة بيوت بناء حسنًا محكمًا مزينًا، وقالت: إنني شدت كل بيت من هذه البيوت وأحكمت بناءه وزينته، وكانت تعلم أن الذين يقيمون فيها فريقان: فريق يزيدون بيوتهم حسنًا وزينة، وفريق يصدعون بناءها ويشوهون زينتها، وقالت في مقام آخر: إن هذه البيوت سيكون بعضها حسنًا جميلًا وبعضها مشوهًا قبيحًا، فهل يكون القولان متناقضين؟ لا، لا.

    الشيخ محمد القاوقجي: كان الشيخ أبو المحاسن محمد القاوقجي الطرابلسي رجلًا منقطعًا للعبادة والعلم وكان له عناية برواية الحديث واشتغال به وبالفقه والتصوف، وكان على الطريقة الشاذلية.

    ولما شرعت في طلب العلم رويت عنه الأحاديث المسلسلة، وهي تدخل في مصنف ليس بالصغير، وحضرت بعض دروسه في الحديث خاصة.

    وكنت شديد الميل إلى التصوف الحقيقي لكثرة مطالعتي في إحياء العلوم للغزالي قبل أن أبدأ بطلب العلم، فطلبت منه أن أسلك هذه الطريقة على يده، فعاهدني وعهد إليّ بقليل من الذكر، فلم أقبل وقلت: بل أريد السلوك التام الذي قرأت عنه في الكتب، كسلوك الغزالي وأضرابه، فقال: يا ولدي لسنا من رجال هذا السلوك، وإنما الطريق عندنا للتبرك والتشبه بالقوم.

    وقد أجازني بكتاب دلائل الخيرات بالمناولة وله فيها سند إلى المؤلف. هذا كل ما أخذته عنه، ولم أقرأ أوراده ولا حفظت شيئًا منها، وكنت أنكر في نفسي من دروسه في الحديث بعض الحكايات المأخوذة من كتب الصوفية، الذين لا يزنون كل ما يوردونه بميزان الشرع كالشعراني.

    وأوراده كلها على المألوف من متأخري أهل الطريق، وإنني لم أطلع عليها، ولكنني حضرت في صغري بعض مجالس الذكر التي كان يعقدها، ولم أكن يومئذ أنكر في نفسي ما أسمعه منها لأنه مألوف، ولما صرت مستقلًا بفهم ديني والحجة على عقيدتي لم يبقَ في ذهني عن ذلك الرجل إلا تلك الأحاديث التي رويتها عنه، وذلك المثال الجميل الذي عهدته في ذلك الشيخ القانت؛ عندما كنت أصلي معه أو أسمع صلاته في الليل، أو خطبته التي ما عهدت الناس يبكون في خطبة سواها.

    ولا أدري أجميع ما ينسب إليه هو له، وأنه بقي عليه إلى آخر حياته أم لا، وما أظن أن مثله يعتقد ما فهمتم من تلك الأبيات، وربما كان يعني بها ما ذكرناه من فهم علماء الصوفية للمدد والتبرك في ص263 و143.[1]

    [1] المنار ج14 (1911) ص424-429.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 383 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة