• حرث الدنيا والآخرة

    ما معنى الدنيا والآخرة وحرثهما في الآيات، وما ماثلها ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ[٠]﴾ [الشورى: 20]. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ[١٥] أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[١٦]﴾ [هود: 15 - 16]. فهل الذي يعمل للدنيا يبعد عن الآخرة ويقرب من عذابها؟ وما هو العمل الخاص بالآخرة؟ أفيدونا ولكم الأجر والثواب. [1]

    الحرث عبارة عن الزرع، ومنه الأثر المشهور: الدنيا مزرعة الآخرة. والحرث والزراعة هنا من باب المجاز، فمريد حرث الدنيا هو من يعمل عمله فيها لأجل التمتع بلذاتها لا يبتغي من حياته فيها غير ذلك. ومريد حرث الآخرة هو من يعمل أعماله التي هي غرضه من حياته لأجل الآخرة، أي يكون مخلصًا في عباداته ويلتزم في معاملاته أحكام الشرع التي تحدد بها الحقوق، فلا يظلم ولا يأكل مال أحد بالباطل، ويتحرى الحق وعمل الخير، فيتصدق من فضل ماله على الأفراد وفي المصالح العامة، وهو يتمتع بالطيبات وزينة الدنيا من طريق الحل، ولكن ذلك لا يكون هو مراده من حياته، بل يكون له مراد أعلى وهو الاستعداد لحياة الآخرة الباقية. وقد فصلنا القول في هذه المسألة تفصيلًا في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ[٢٠٠] وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: 200 - 201] إلخ. فراجعه في الجزء الثاني من التفسير. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: 145][2]. وقوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152][3]. فراجعهما في الجزء الرابع من التفسير.


    [1] المنار ج14 (1911) ص576-577.
    [2] وردت في المنار على أنها سورة 3 الآية 139.
    [3] وردت في المنار على أنها سورة 3 الآية 145.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 392 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة