• تمثيل الوقائع التاريخية والخيالية للاعتبار

    ما رأي الأستاذ حفظه الله في تمثيل الروايات الأخلاقية التي لا يشوبها من ضروب الخلاعة، أو من ظهور النساء حاسرات على المسارح والتي تحبب الحضور بالفضيلة وتنفرهم من الرذيلة؟ وهل يجوز لنا أن نعتبر التمثيل غيبة فنحرمه بدعوى أن الغيبة محرمة؟ وهل ورد في النصوص الشرعية تصريحًا أو تلميحًا ما يدل على حرمة التمثيل الأخلاقي، أو يشير إلى اجتنابه، وعهدنا بهذا النوع من التمثيل أنه خير ما يغرس في النفوس حب الفضائل وكره الرذائل؟[1]

    جاءنا مثل هذا السؤال أيضًا من دمشقي آخر أشار إلى اسمه بحرفي (م. ن)، وجاء في سؤاله أن للسؤال واقعة حال في دمشق، وهي أن تلاميذ المدرسة العثمانية بدمشق مثلوا قصة زهير الأندلسي التي تشرح كيفية انقراض المسلمين من الأندلس، فقام بعض الحشوية من طلاب الشهرة وأصحاب الدعوى يشنعون على المدرسة ويكفرون تلاميذها ومعلميها ويزعمون أنهم حاولوا هدم الإسلام بتذكير المسلمين بأسباب انقراض المسلمين من مملكة إسلامية كانت زينة ممالك الأرض بالعلوم والفنون والآداب، وخطبوا بذلك على المنابر في رمضان، فصدق فيهم قول من قال: إن لمتعصبي دمشق في كل رمضان ثورة.

    أشار السائل الذي نشرنا نص سؤاله إلى ما صرح به السائل الآخر من احتجاج محرمي التمثيل على تحريمه بأنه يتضمن الغيبة، وقال هذا المصرح: إن بعضهم حرّم قراءة الجرائد والمجلات بمثل هذا الدليل.

    نقول: إن صح قولُهم: إن تلك القصة أو الواقعة التي مثلت في دمشق كانت متضمنة لشيء من الغيبة -وهو ما يستبعد جدًّا- فالمحرم فيها هو الغيبة لا جميع القصة ولا القصص التي تمثل ولا التمثيل نفسه. وكان الأظهر أن يقولوا إنها تتضمن الكذب في بعض جزئياتها، وكأنهم فطنوا إلى كون الكذب غير مقصود فيها، ولا يتحقق إلا بالنسبة إلى مجموع القصة إذا كان ما تقرره وتودعه في الأذهان من مغزاها المراد غير صحيح؛ كأن تصور قصة زهير لقرائها وحاضري تمثيلها أن الأسبانيين اضطهدوا المسلمين وفتنوهم عن دينهم وخيروهم بين الكفر والخروج من الوطن، ويكون هذا الذي تصوره لم يقع أو وقع ضده.

    هذه القصص التمثيلية من قبيل ما كتبه علماؤنا المتقدمون من المقامات التي تقرأ في المدارس الدينية وغير الدينية، كمقامات البديع ومقامات الحريري، وقد كان الحريري رحمه الله تعالى توقع أن يوجد في عصره أمثال أولئك المتنطعين الذين حرموا قصة زهير الأندلسي، فرد عليهم بقوله في فاتحة مقاماته: «على إني وإن أغمض لي الفطن المتغابي، ونضح عني المحب المحابي، لا أكاد أخلص من غُمرٍ جاهل، أو ذي غِمرٍ (حقد) متجاهل، يضع مني لهذا الوضع، ويندد بأنه من مناهي الشرع، ومن نقد الأشياء بعين المعقول، وأنعم النظر في مباني الأصول، نظم هذه المقامات، في سلك الإفادات، وسلكها مسلك الموضوعات، عن العجماوات والجمادات، ولم يسمع بمن نبا سمعه عن تلك الحكايات، وأَثِمَ رواتُها في وقت من الأوقات، ثم إذا كانت الأعمال بالنيات، وبها انعقاد العقود الدينيات، فأي حرج على من أنشأ ملحًا[2] للتنبيه، لا للتمويه، ونحا بها منحى التهذيب، لا الأكاذيب، وهل هو إلا بمنزلة من انتدب لتعليم، وهدي إلى صراط مستقيم»[3].

    فهو يقول إنه لم يعرف عن أحد من علماء الأمة إلى زمنه أنه حرم أمثال تلك القصص التي وضعت عن الحيوانات ككتاب كليلة ودمنة وغيره؛ لأن المراد بها الوعظ والفائدة وصورة الخبر في جزئياتها غير مرادة، وما سمعنا بعده أيضًا أن أحدًا من العلماء حرّم قراءةَ مقاماتِه، ولكن اجتهاد بعض المغرورين بالحظوة عند العوام يتجرؤون على تحريم ما لم يحرمه الله ورسوله، ولا حرم مثله أحد من علماء الملة، وهم مع هذا يتبرؤون بألسنتهم من دعوى الاجتهاد واسم الاجتهاد، ويشنعون على من يقول: إنه يمكننا أن نعرف الأحكام بأدلتها الشرعية، فهم يعترفون بأنهم ليسوا أهلًا للاستدلال ولا لمعرفة حكم بدليله، ويَدَّعُون أنهم مقلدون لبعض الأئمة المجتهدين رضوان الله عليهم فليأتونا بنص من أولئك الأئمة على تحريم ما حَرَّمُوه إن كانوا صادقين.

    ثم نقول من باب الدليل: قد فسر الحرام في بعض كتب الأصول بأنه خطاب الله المقتضي للترك اقتضاء جازمًا، فليأتونا بخطاب الله المقتضي لتحريم تمثيل الوقائع الوعظية والتهذيبية، أما أصول المحرمات في الكتاب فقد بينها الله تعالى بالإجمال في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]؛ أفلا يخشى أولئك المتجرئون أن يكونوا من الذين يقولون على الله ما لا يعلمون، الذين قال فيهم أيضًا: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: 116].

    وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْحَلاَلَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيِرٌ مِنَ النَّاسِ» الحديث، وهو [في] الصحيحين والسنن كلها من حديث خيار الآل والصحب علي وولده الحسين والعبادلة الثلاثة وعمار والنعمان بن بشير رضي الله عنهم، فإذا كان الحرام بَيِّنًا؛ فكيف يخفى منه مثل هذا الحكم على جميع المسلمين في هذه القرون الطويلة، ولا يهتدي إليه إلا أولئك المضيقون في هذا العام؟ إننا لا نرى وجهًا ما لهذا التحريم ولو سلَّمنا أن في القصة الممثلة كلامًا يصح أن يعد غيبة أو كذبًا فإننا نعلم أن في كثير من كتب الحديث والفقه والوعظ أحاديث موضوعة، ولم يقل أحد إن ذلك يقتضي تحريم تأليف تلك الكتب وقراءتها وطبعها، وفي كتب الحديث طعن في الرجال فهل نحرم علم أصول الحديث؟ إلا أنه ليحزننا أن يكون لأمثال هؤلاء المفتاتين المتنطعين كلمة تسمع في مدينة دمشق الفيحاء التي هي أجدر البلاد بأن تكون ينبوعًا لحياة الدين والعلم والارتقاء في سورية وجزيرة العرب كلها، وما آفتها إلا نفر من المتنطعين قد جعلوا الدين عقبة في طريق الارتقاء العلمي والعملي، فنسأل الله تعالى أن يلهمهم الرشد، ويهديهم طريق القصد، أو أن يبصر العامة كالخاصة في تلك المدينة الزاهرة بحقيقة أمرهم، حتى لا تتبع كل ناعق منهم.

    [1] المنار ج14 (1911) ص827-830.
    [2] وردت في المنار «مقامات».
    [3] مقامات الحريري. تحقيق سلفستر دساسي. باريس، دار الطباعة الملكية، 1822. ص11-12.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 418 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة