• تفسير: «وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا»

    بعد تقديم واجب الاحترام [1]أعرض أنني قرأت في مناركم الأغر (ج[6] م[14])[2] جوابًا على سؤال ورد من دمياط من مصطفى نور الدين حنطر عنوانه: (القدر وحديث خلق الإنسان شقيًّا وسعيدًا) وحقيقة لقد أجدتم في الجواب بحيث قطعتم ألسنة الذين يحتجون بالقضاء والقدر (أي على الجبر والكسل)، وظهر فساد رأيهم بحجج ناهضة لا يعقلها إلا العالمون، وأزلتم من الشكوك والخطرات ما يصعب على غيركم إزالته، فجزاكم الله خير الجزاء، لا زلتم ملجأ للتائهين عن المحجة البيضاء، وداحضين شبهات المتنطعين المقلدين الذين لم يعرفوا من الدين إلا قوال هذا وذاك.

    هذا وقد وقع في خلدي شبهة في مسألة القضاء والقدر في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: 13]، فأرجوكم كشف قناع تفسير هذه الآية حتى يطمئن القلب ويظهر الصبح لذي عينين؛ لأنها أوقعتني في ارتباك لا يزول إلا باستنشاق نفحات علومكم وورد معارفكم، وأتمنى أن يكون الجواب في أول عدد يصدر من مجلتكم، حفظكم الله وجعلكم منارًا لكل مستنير آمين.

    معنى الآية الحكيمة والله أعلم ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ أن نجعل الناس أمة واحدة مهتدين صالحين كالملائكة ﴿لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ وجعلناه أمرًا خلقيًّا فيها لا تستطيع غيره ولا يخطر في بالها سواه، وحينئذ لا يكون هذا النوع هو النوع المعروف الآن، ولا يكون مكلفًا مجزيًّا على عمله لأنه لا اختيار له فيه، ولا يكون ثم حاجة لوجود دار للجزاء على الحق والخير، ودار للجزاء على الباطل والشر. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ إلخ. معناه: ثبت وتحقق القول المؤكد مني بأن يكون الجن المستترون، والناس المتجسدون مكلفين لأنهم يعملون بالاختيار، ومثابين معاقبين لاختلاف الأعمال بالتفاوت في العلم والاستعداد، ليكون لجهنم منهم ملؤها، كما يكون للجنة قسطها، أي فلهذا لم نؤت كل نفس هداها بأصل الخلقة بل هديناها النجدين، ودللناها على الطريقين، بأن خلقناها مستعدة لقبول الحق والباطل، وعمل الخير والشر، وآتيناها علمًا وإرادة واختيارًا ترجح بها سلوك أحد الطريقين على الآخر، وجرت سنتنا بأن يكون عمل كل نفس بقدرة صاحبها متوقفًا على ترجيح الفعل أو الترك على ما يقابله، وأن يكون الترجيح بإرادة العامل، وأن تكون الإرادة تابعة للعلم بالمنافع والمضار والمصالح والمفاسد، كما جرت سنتنا وسبقت كلمتنا بأن يكون من خلق الإنسان ومقتضى فطرته أن يرجح دائمًا فعل ما ينفع وترك ما يضر بحسب علمه بذلك، فعلى هذا تكون سعادة الإنسان وشقاوته تابعين لعلمه بالحق والباطل والخير والشر، فإن كان علمه صحيحًا وجدانيًّا أو عقليًّا غير معارض بوجدان غالب رجح الحق والخير على ضدهما فكان سعيدًا، وإلا رجح الباطل والشر فكان شقيًّا، ولكن الناس كثيرًا ما يجهلون الحقائق في ذلك فيرجحون ما فيه شقاوتهم على ما فيه سعادتهم.

    وقد لطف الله تعالى بالإنسان فأمد علمه المسكوب الناقص بالوحي الذي هو كالعقل للنوع. لا يذهب بك الظن إلى أنني خرجت عن معنى الآية بما أشرت إليه من سنة الله في خلق الإنسان فيها، فإنك إذا راجعت ما قبلها من السورة تجده في خلق الإنسان وحكمة الله وإبداعه فيه، فإنه تعالى ذكر في أولها إنزال الكتاب وكفر من كفر به، ثم ذكر خلق السماوات والأرض وتدبيره الأمر بينهن، وكونه أحسن كل شيء خلقه، وخلق الإنسان وتسويته، ونفخ الروح فيه، وإعطاءه الحواس والعقل، وأنه قليلًا ما يشكر له هذه النعم باستعمالها فيما خلقت له، ثم ذكر إنكار المشركين للبعث، ثم الموت والجزاء، وتمنيهم الرجوع إلى الدنيا في يوم الحساب، ثم ذكر الآية.

    فلا بد في تفسيرها من التوفيق فيها بين مقتضى المشيئة، ومقتضى سنن الخلقة، فإن مشيئة الله تعالى إنما تجري بسننه في خلقه، كما بينا ذلك مرارًا، والسياق هنا جامع للأمرين. والقول في هذه الآية تكويني كقوله تعالى بعد ذكر خلق السماء والأرض: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11]. وقوله: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]. ومنه كلمة التكوين العامة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]. وتسمية عيسى المسيح كلمة الله، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ[١٧١] إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: 171 - 172]. كل هذا وأمثاله مما يذكر في بيان خلق الأشياء، وسنن الله في تكوينها ليس من القول اللفظي ولا الكلام النفسي، وإنما هو القول والكلام التكويني الذي هو من متعلقات صفة الإرادة والمشيئة التي يتبعها الإيجاد والتكوين، لا متعلقات صفة الكلام التي يكون بها الوحي والتكليف، فمعنى ﴿حَقَّ الْقَوْلُ﴾ [السجدة: 13] بما ذكر في الآية أنه مما تعلقت به مشيئة الله تعالى في التكوين، فإنه تعالى شاء أن يكون الناس كما قال في آية قبلها ذوي حواس وعقول متمكنين من الشكر والكفر، كما نعرف من أنفسنا وأبناء جنسنا، وبذلك كانوا مستعدين للأشياء المتقابلة المتضادة، مختارين في الترجيح بينها، ويترتب على ذلك أن يحسن فريق منهم الاختيار فيكونوا من أصحاب الجنة، ويسيء فريق منهم الاختيار فيكونوا من أهل النار، وتتم كلمة الله في تكوين الفريقين على ما سبق بيانه، وهذا ينطبق على ما شرحناه في تفسير القدر، وكونه عبارة عن النظام الإلهي والسنن.

    [1] المنار ج14 (1911) ص912-914.
    [2] المنار ج14 (1911) ص424-429. راجع أعلاه الفتوى رقم 383.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 423 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة