• المذاهب واختلاف فقهائها

    إلى حضرة مرشد الأمة ورشيدها الفيلسوف الحكيم صاحب المنار المنير دام إقباله ثم سلام الله عليك ورحمته ورضوانه.[1]

    وبعد فقد اطلعت على الجزء الرابع من المجلد الثاني عشر لمناركم المنير، ورأيت في باب الفتاوى السؤال الذي هو لأحد أبناء البلاد العربية في صدد (الرقص والتغني والإنشاد في مجلس الذكر) والجواب عليه من علماء الأزهر الشريف مع تذييلكم عليه بما فيه من التشديد والنكير على الإطلاق وتكفير فاعله ومن حضره. (ليس في تلك الفتوى تكفير كما قال، وتذييلنا هناك فيه تخفيف ما وعبارته توهم أن التشديد والتكفير في تذييلنا تبعًا أو استقلالًا)[2].

    فعجبت جدًّا لهذا الجواب الذي لا يشوبه أدنى ريب؛ لأن أمثال هذا في نواحينا كثير، والعلماء أكثر، وكلهم من شافعي وحنفي ومالكي وحنبلي يجوِّز ذلك ويعده من الشعائر الدينية.

    والحقيقة يا سيدي أن الإنسان لَيحار جدًّا وتكاد تُشكل عليه أمور دينه من حيث إن الأزهريين ومن أشرت إليهم من علمائنا كل منهم مقلد لمذهب من هذه المذاهب، ومع ذلك نرى الفرق كبيرًا بين ما يقوله هؤلاء وأولئك من جواز وتحريم، فلَيْت شِعري ما هذا الخلف وما هذا الإشكال؟ وليت شعري كم لمالك من مذهب وكم للشافعي وأخويه من مذاهب؟ أرشدونا إلى الطريق القويم أرشدكم الله إلى خير الدارين.

    اعلم يا أخي أن المجتهد لا يكون له في المسألة إلا رأي واحد ومن نُقِلَ عنه قولان أو أكثر في مسألة واحدة، فإما أن يكون قد قال أحدهما في وقت ثم رجع عنه فقال القول الآخر في وقت آخر، وإما أن يكون النقل عنه غير صحيح، والمسائل التي يتردد فيها ليس له فيها رأي. والمذهب له في عرف الناس إطلاقان: عامي وخاصي،

    فالأول: هو نقل الأحكام التي قررها أو أفتى بها المجتهد، فمن عرفها وعمل بها من غير وقوف على دليل المجتهد عليها واقتناعه به يسمى مقلدًا له، وهذا هو معنى المذهب الذي يدعيه الآن جميع المنتسبين إلى المذاهب؛ لأنهم يظنون أن ما يقوله فقهاء مذاهبهم وما هو منقول في كتبهم كله مروي عن أئمتهم، وأن هؤلاء الفقهاء لا حظ لهم إلا نقله وتفسيره، وعلى هذا بنيتم تعجبكم من تناقض فقهاء كل مذهب في المسألة الواحدة.

    والصواب أنه يقل في هؤلاء الفقهاء من اطلع على كتاب للإمام الذي يدعي أنه درس فقهه أو قرأ شيئًا مما نقله عنه تلاميذه ككتاب الأم للشافعي والمدونة لمالك وكتب أبى يوسف ومحمد صاحبي أبى حنيفة رحمهم الله ورضي عنهم، وإنما قرؤوا بعض كتب المتأخرين التي سنذكر لها وصف أصحابها، وما فهموها حق فهمها، وكلهم يتجرأ على الفُتيا فتختلف فتاواهم، وتتناقض آراؤهم، وفي كل قطر أفراد منهم، يثق بهم عوام بلادهم، كما هي عادة جميع العوام من جميع الملل مع رؤسائهم، يقلدونهم كيفما كانوا ومهما كانت درجة علمهم أو جهلهم، فإن قاعدة التقليد والاتباع هي أن يثق الأدنى بمن هو أرقى منه ولو في القراءة أو الكتابة، فالأمي يرى متعلم القراءة أو الكتابة أرقى منه وإن كان عاميًّا مثله.

    وكل هؤلاء المفتين عاميهم ومثقفهم وفقيههم (إن وجد) ينسبون كل ما يفتون به إلى أئمة المذاهب ويتعززون بأسمائهم ويتخذون هذه الأسماء أتراسًا ومجّانًا يدافعون بها كل من يتصدى لإرشاد العامة وينهاها عن البدع والخرافات، بل يتخذونها سلاحًا يحاربون به السنة وأنصارها.

    الإطلاق الثاني: هو بمعنى ما يسمونه الآن بالمسلك والمبدأ وهو طريقة المجتهد في استنباطه للأحكام وأصوله التي يفرع عنها كما بين ذلك في علم الأصول، وهذا هو المعنى الذي كان يقصده أصحاب أولئك الأئمة من الانتماء إليهم في عصرهم.

    ولم يكن أصحابهم مقلدين لهم يأخذون كلامهم قضايا مسلَّمة بغير دليل بل تعلموا منهم الاستدلال، ونقلوا عنهم علمهم ليكون مثالًا يُحتذى في استنباط الأحكام، كما صرح بذلك المُزَني صاحب الشافعي في أول مختصره إذ قال: «اختصرت هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس الشافعي ومن معنى قوله لأُقرِّبه على من أراده مع إعلامية نهيه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه».

    ثم جرى على ذلك من بعدهم من العلماء ووسعوا دائرة الاجتهاد والاستنباط على ذلك النحو والمذهب، ثم خلف من بعد هؤلاء خلف رضوا أن يكونوا عيالًا على من قبلهم واستنبطوا الأحكام من عباراتهم، وفشت بدعة التقليد والأخذ بقول من يوثق بشهرته من غير دليل، وما زال الناس يتدلون إلى أن وصلوا إلى قرار الهُوة التي تعجب السائل من اضطرابهم واختلافهم فيها.

    وسننشر إن شاء الله تعالى في جزء تالٍ جملة مفيدة في هذا البحث عن كتاب الإرشاد للعماد السكري رحمه الله تعالى.

    وجملة القول أن سبب اختلاف من يسمونهم الفقهاء من أهل المذهب الواحد، هو أنهم ليسوا ملتزمين للنقل عن إمام أو عالم معين كما هو مقتضى التقليد الذي يدَّعونه ولا جارين على أصول واحدة في الاجتهاد الذي يأتونه وينكرونه، فلا عجب إذًا في اختلافهم واضطرابهم، ولا عبرة في دعواهم الانتساب إلى أولئك الأئمة رضي الله عنهم.

    وهاهنا مسألة ينبغي التفطن لها وهي دعوى المقلدين أن فائدة التقليد منع تشعب الخلاف في عامة الأمة، وخاصة إذا حصر في عدد قليل كالأربعة.

    وهذه الدعوى ممنوعة لا في مجموع المذاهب فقط بل في مقلدة كل مذهب مذهب أيضًا كما بين السائل، وكما هو مشاهد لكل ناظر، وسبب ذلك أنه لم يتفق للمنتمين إلى مذهب من المذاهب المشهورة، المنتشرة في أقطار كثيرة، أن يتفقوا على دراسة كتاب أو كتب معينة ويعملوا بها على سواء، سواء كانت كتب إمام ذلك المذهب أو كتب بعض المؤلفين المنتمين إليه، وإنما يتبعون في كل قطر من تصدروا فيهم للتعليم والفتوى فيحرمون ما حرموا عليهم، ويحلون ما أحلوا، ويجرون على ما أقروهم عليه من البدع، ويتركون ما تركوا من السنن، وهؤلاء المتصدرون يتفاوتون في علمهم واجتهادهم -وكل منهم يجتهد في الوقائع التي تحدث في عصره، وإن أنكر الاجتهاد بلسانه وقلمه، وإنما ينكره على غيره إذا خالف هواه فيه- ولذلك تتفاوت أعمال المتبعين لهم.

    وثَمَّ مسألة أخرى يغفل عنها الناس وهي أن علم الفتوى عند كثير من المتفقهة في أكثر البلاد الإسلامية لا صلة له بالعمل، فترى أحدهم يحضر الدعوات والاحتفالات، التي تؤتى فيها البدع والمنكرات، ويهنئ أهلها ويدعو لهم، ولا ينكر عليهم شيئًا من عملهم، ولكنه قد يقرر في الدرس أو يكتب في الفتوى أو المصنفات أن هذه الأشياء من البدع والمنكرات، وربما يصفها بأنها مما عمت به البلوى، ومنها ما يحلونه بالتأويل، ومنها ما لا يجدون له تأويلًا، فإذا فطن السائل لما ذكرنا يذهب تعجبه ويزول استغرابه مما ذكره.

    وسيرى في الفتوى السادسة بعد هذه[3] أن بعضهم أحل أكل أموال المعاهدين والمستأمنين ولو بالخيانة والسرقة، وهذا من أغرب شواهد المسألتين. ويدلنا ما ذكر على أن الهداية التي يجب الرجوع إليها إذا اختلفت الأدلاء، وعمي الأمر على الناس، هي كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرة السلف الصالح في العمل بها ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59].

    [1] المنار ج15 (1912) ص26-28.
    [2] المنار ج15 (1912) ص25. الحاشية.
    [3] أنظر أدناه فتوى رقم 340.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 425 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة