• تفسير «وَلَوْلا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً»

    أرجوكم الإجابة بلسان المنار في تفسير ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: 33] الآية.

    إني رجعت فيها إلى كتب المفسرين فوجدتهم يقولون بتفسير يلزم معه أن لا يوجد في الناس أولياء ولا أنبياء إلا وهم مفتونون بالأموال وحاشاهم عقلًا ونقلًا.[1]

    معنى الآية على رأي الجمهور معروف للسائل وملخصه: لولا كراهة أن يكون الناس كلهم كفارًا أو مائلين إلى الكفر لجعلنا لبيوت الذين يكفرون بالرحمن سقفًا من الفضة ومعارج من الفضة كالدَّرج والسلالم يرتقون عليها إلى الغرفات وغيرها من الأماكن العالية في تلك البيوت، وأبوابًا وسررًا من الفضة أيضًا، وزخرفًا من الذهب وغيره من أنواع الزينة التي تزين بها البيوت من الأثاث والرياش والماعون، وإنما يكون الناس بسبب ذلك أمة واحدة لأنهم كلهم يميلون إلى الزينة، ناهيك بها إذا وصلت إلى هذه الدرجة من الكمال بالنسبة إلى هذه الحياة. على أن كل ذلك متاع الحياة الدنيا يتمتع به صاحبه قليلًا ثم يفارقه، والآخرة التي لا تزول زينتها ولا ينقضي نعيمها خاصة بالمتقين، فإذا لم يكن المنعم منهم بأن كان كافرًا بتلك النعم وبالنعم يكون محرومًا منها فماذا تغني عنه تلك الزينة الفانية والنعمة البالية.

    وهذا التفسير كما قال السائل الفاضل يستلزم أن يكون جميع الناس مفتونين بالزينة والزخرف. واللازم له منقوض بالفعل، دع ما قاله من نقضه بالعقل والنقل، فقد وجد في الناس الزاهدون في الزينة والنعيم، عن استطاعة وقدرة، كالخلفاء الراشدين بعد الفتح، وعمر بن عبد العزيز وإبراهيم بن أدهم وغيرهم. وأقول وبالله التوفيق: ما لنا لا نرجع في فهم هذا التركيب، إلى مثله في الكتاب العزيز؟ قال تعالى بعد بيان إنزال التوراة والإنجيل وأمر أهلها بالحكم بهما ثم إنزال القرآن كذلك: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: 48] إلخ. وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: 93]. وقال بعد ذكر إنزال القرآن لإنذار أم القرى وما حولها: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: 8]. وقال بعد بيان أحوال الأمم وكونه لا يهلكهم بظلم وهم مصلحون: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ[١١٨] إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: 118 - 119]. فهذه الآيات تدل على أن حكمته تعالى قضت بأن لا يكون الناس أمة واحدة فكانوا بمشيئته المطابقة لحكمته مختلفين. وقال بعد بيان عبادة المشركين لغير الله على أنهم شفعاء عنده وإنكار ذلك عليهم: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: 19]. وقال تبارك وتعالى بعد بيان أحوال الناس في أقوالهم وأعمالهم وإيمانهم: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ[٢١٢] كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 212 - 213] الآية. فبين لنا في هاتين الآيتين أن الناس كانوا أمة واحدة ثم تفرقوا بالاختلاف. و(كان) هنا تامة ثبوتية، والمعنى أنهم وجدوا وخلقوا أمة واحدة، والجمع بين هذا وبين ما تقدم أن الناس خلقوا أمة واحدة في الفطرة ونظام الخلقة. ثم تفرقوا بالاختلاف، وبذلك سبقت مشيئة الله تعالى واقتضته حكمته.

    ذلك أن من سنته في خلق هذا النوع أن يوافق الأولاد والديهم في بعض الأوضاع الجسدية والصفات النفسية والعقلية ويباينونهم في بعض، ولو وافقوهم في كل شيء لظلوا على أصل التكوين الأول فبقوا أمة واحدة كالعصافير مثلًا، ولو باينوهم وفارقوهم في كل شيء لكانوا أنواعًا أخرى من المخلوقات لا من الناس، فبسُنَّتي الموافقة والمباينة كانوا أمة واحدة، وكان لا بد من أن يختلفوا في كل شيء من أمور معاشهم وشرائعهم وأديانهم.

    ومن حكمة الله تعالى في ذلك أن يكونوا نوعًا مستقلًا مباينًا لغيره من أنواع المخلوقات في تفاوت استعداد أفراده وكون هذا الاستعداد يتعلق بما يحتاجون إليه لحفظ حياتهم الحيوانية شخصية ونوعية، وبما لا يتعلق بذلك بحيث لا يكون له حد معروف.

    ولذلك يشتغلون بأخسّ الأشياء وأدناها، وأرفعها وأعلاها، ويظهرون الحقائق ويؤيدونها، ويأخذون بالأباطيل وينصرونها، وأن يكون منهم الغني والفقير، والسيد والأجير، والسعيد والشقي، والرشيد والغَوِيّ، ولذلك قال تعالى في الآية الأولى من الشواهد التي أوردناها آنفا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة: 48].

    أي: ولكن جعلكم مختلفين بمقتضى سنة الخِلقة ليختبركم فيما أعطاكم من زينة الدنيا كيف تعملون فيها بما آتاكم من الإرادة والاختيار، كما قال في آية أخرى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا[٧] وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: 7 - 8].

    بعد هذا التمهيد نقول في الآية التي نحن بصدد تفسيرها (ولولا) تحامى (أن يكون الناس أمة واحدة) كغيرهم من أنواع الحيوان التي اتحدت فطرتها، وفُطِرت مسوقة بطبعها إلى عمل ما فيه قوام حياتها، لا يختلف في ذلك أفرادها، سواء ما يعيش عيشة فردية أو زوجية، وما يعيش عيشة اجتماعية، (كالنحل والنمل) (لجعلنا لمن يكفر بالرحمن) كذا وكذا من الزينة والزخرف والمتاع الحسن بمحض قدرتنا وسنتنا في التكوين لا بكسبهم وسعيهم واختيارهم، وحينئذ لا يكونون على نظام هذا النوع في حياتهم، وقد سكت عن بيان ما يجعله للمؤمنين؛ لأنه يفهم من مقابله، وهو أن يحرمهم بقدرته وسنته في التكوين من تلك الزينة أو من جميع أنواع زينة الدنيا ومتاعها ويجعل رزقهم كفافًا.

    وبهذا يكون الناس أمة واحدة بخلقها على استعداد واحد لا يتفاوت فيه أفرادهم، ولا تأثير فيه لكسبهم واختيارهم، وإن كانوا فريقين فريقًا ذا زينة وفريقًا غفلًا منها. كالطاووس جعل الله لذكره ذنبًا جميلًا يزينه وحرم أنثاه من هذه الزينة، وهو مع هذا أمة واحدة.

    قلنا: إن معنى الجعل في منطوق الآية وما يقابله من مفهومها الذي بيناه، هو الخلق والتكوين بحيث لا يكون للكافر كسب ولا اختيار في زينته، ولا للمؤمن كسب ولا اختيار في عطله، وأن يكون الناس بذلك غير هذا النوع الذي نعرف سنة الله فيه من أنفسنا -ودليلنا على هذا أن الكفر والإيمان لا دخل لهما في الاستعداد لكسب الزينة وتحصيلها كما هو الواقع المشاهد، ويصدق هذا آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 20] أي عن أحد من مريدي العاجلة ومريدي الآخرة. وقوله في طالبي حسنتي الدنيا والآخرة: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: 202][2]. وليس من مقتضى الإيمان ولا من شأنه أن يكون صاحبه أقل كسبًا أو استعدادًا للكسب، ولا أن يكون محرومًا من الزينة والطيبات، بل هو أحق بهذا من الكافر بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 32]. فجعل المؤمنين هم أصحاب الحق الأول الذاتي للزينة والطيبات كأنه لا حق فيها للكافر. ولولا أنه قال ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 32]. لم يكن في الآية ما يدل على أن الكافر قد يشارك المؤمن فيها في الدنيا. وقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 124] يعني أن الكافر بإعراضه عن كتاب الله يكون شقيًا ضيق المعيشة في الدنيا هالكًا في الآخرة، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: 16]. فهذه الآيات وأمثالها تنقض ما قاله المفسرون وغيرهم في كون الأصل في زينة الدنيا وطيباتها وعزها أن تكون للكفار وكون الأصل في حال المؤمن أن يكون محرومًا من هذه النعم.

    كلا إن نعم الدنيا تُنال بأسبابها وهي مشتركة، والمؤمن أحق بها بمقتضى تهذيب الإيمان وإعلائه للهمم، ولذلك وعد الله المؤمنين الصالحين بإرث الأرض، وبشر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بالملك الواسع لمشرق بلاده ومغربها، ولأن المؤمن أجدر بالشكر ووضع النعم في موضعها، وهذا سبب المزيد منها.

    بقي شيء مهم وهو أن المؤمن لمعرفته بالله تعالى وما أعده للمؤمنين في الآخرة تكون نفسه متعلقة بما هو أعظم من كل شيء في الدنيا، ويرى متاع الدنيا كله حقيرًا في جانب ما تتوجه إليه نفسه من نعيم الآخرة ورضوان الله فيها. فلا يفرح بما يصيبه منها فرح بطر وغرور، ولا يحزن على ما فاته منها حزن يأس وفتور، وقد صغر الله له شأنها لأجل أن تكون همته متوجهة إلى ما هو خير منها.

    فلا يبطر الواجد، ولا يحزن الفاقد، بل يكون جميع المؤمنين في مقام الاعتدال المكين فهو تعالى يبين لنا في هذه الآية أنه لولا تحامي أن يكون الناس أمة واحدة كغيرهم من أنواع الحيوان لجعل زينة الدنيا خالصة للكفار وحفظ المؤمنين من الابتلاء بها، لأنها ليست بالأمر العظيم في نفسها، وهي متاع قليل زائل، بالنسبة إلى نعيم الآخرة الكبير الدائم، ولكنه شاء أن يخلق الناس مختلفي الاستعداد، ومتفاوتي العلم بالمنافع والمضار والمصالح والمفاسد -ذلك العلم الذي يصرف إرادات الأفراد في الأعمال الاختيارية، ويجعل أمر سعادتهم وشقاوتهم في الدارين تابعًا لها وعلى قدرها، وجعل خلق لهم من زينة الدنيا ابتلاء واختبارًا عامًا لهم ليظهر أيهم أحسن عملًا (كما صريح في آية 18 : 7 المذكورة آنفًا) فيكون جزاؤهم على أعمالهم بالاستحقاق (جزاء وفاقًا) ولذلك علل جعلهم مختلفين في الاستعداد وكونه لم يجعلهم أمة واحدة لا فرق بين أفرادهم بأنواع من التعليل بعضها مرتب على بعض: (أولها) في الترتيب الطبيعي أنه جعل ذلك ابتلاءً واختبارًا كما تقدم آنفًا وهو المصرح به في آية (5 : 52) وهي الشاهد الأول من الشواهد التي أوردناها آنفًا. (ثانيها) ما يترتب على هذا الابتلاء بالطبع من هداية بعض وضلال بعض وهو المصرح به في آية (16 : 93) وهي الآية الثانية من الشواهد المتقدمة آنفًا. وأضاف فيها الهداية والإضلال إليه تعالى لأنهما بمقتضى سنته في خلق الناس. (ثالثها) ما يترتب على الهداية والضلال من الجزاء وهو المصرح به في آية (42 : 8) وهي الآية الثانية من تلك الشواهد. وكما أشار إليه في آية (11 : 91) التي أوردناها بعدها وكذا آية (10 : 91) إذ المراد بهما أن كلمة الله تعالى في التكوين سبقت بأن يملأ جهنم -وهي دار الجزاء على الضلال- من الجِنة والناس. وذلك بأن يكون بعضهم عاملين باختيارهم ما يستحقون به هذا العذاب، والبعض الآخر عاملين باختيارهم ما يستحقون به مقابله من النعيم، والله بكل شيء عليم.


    [1] المنار ج15 (1912) ص827-831.
    [2] وردت في المنار على أنها الآية رقم 201.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 437 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة