• اللعب بالنرد والشطرنج والورق وحضور دور اللعب، ومجاملة أهل الكتاب

    أسس بالمطرية (دقهلية) نادٍ باسم «نادي الموظفين» الغرض منه نشر الفضيلة ومدارسة العلم، وتوثيق عرى المحبة والإخاء والإنسانية، وأعضاء النادي المذكور تتألف من محمديين وعيسويين وموسويين، وأعمال النادي على مقتضى قانون قد جاء فيه: (منع الخمر والميسر منعًا باتًّا) ولكن بالنادي المذكور حجرة للهو واللعب بالنردشير (الطاولة) والشطرنج والورق (أي الكتشينة) ترتب على وجودها بالنادي منع بعض أعضائه المسلمين من الحضور فيه وحرمانه من سماع ما يلقى من المحاضرات النافعة؛ لعلمه أن هذه الألعاب حرام لكونها ميسر كما نص عليه الشافعي وجرى عليه أكثر أصحابه، واعتمده الشيخان وغيرهما مستدلًا على تحريمه وتغليظ العقوبة فيه بأحاديث كثيرة وأقوال شهيرة مذكورة في كتاب كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع وكتب غيره، ولمَّا بيَّن الممتنعُ عن الحضور هذا المانعَ إلى بعض مؤسسي النادي أجابه بعدم أحقيته في الامتناع حيث هذه الألعاب لم تكن من الميسر في شيء، ولم تكن حرامًا ولا مكروهة، وأنها نافعة لما فيها من (مجاملة أهل الكتاب باللعب معهم) وتشحيذ الخواطر وتزكية الأفهام وراحة القلوب من عناء الأفكار، وترويح النفوس من شاق الأعمال، وغير ذلك مستشهدًا بأقوال كثيرين وببعض فتاوى المرحوم الإمام مفتي الديار (قياسًا) وقد كثر الأخذ والرد بينهما، وانتهى الموضوع إلى رفع الأمر إليكم رجاء الجواب عما إذا كانت الألعاب المذكورة حرامًا أو مباحة، والأكمل حضور الممتنع بالنادي لإعادة النفع العلمي عليه أو امتناعه عن الحضور مع وجود حجرات بالنادي خلاف المختصة باللعب أفندم.

    ملحوظة: غرفة الألعاب مفصولة عن غرفة المطالعة والمحادثة بصالة عرضها 4 أمتار تقريبًا، وحضرات أعضاء النادي الأقباط يلعبون، وإذا كان كل مسلم يبتعد عن ذلك فسينمو الجفاء طبعًا، ومن جهة أخرى فإن النادي تلقى به محاضرات علمية وأدبية وفنية كل ليلة جمعة، فإذا ابتعد المسلم خسر هذه الفوائد التي لا تخفى على فضيلتكم، فأفتونا بما يقرب الناس ويزيل سوء التفاهم، ويكون سببًا لرقينا بعد ذلك النوم الطويل، أدامكم الله للمخلص.[1]

    من اعتقد أن عملًا من الأعمال حرام وجب عليه تركه ألبتة إلا لعذر شرعي كالضرورة التي تبيح المحرم لذاته كأكل الميتة، والحاجة التي تبيح المحرم لعارض كرؤية الطبيب ما تحرم رؤيته من بدن المرأة أو الرجل، وإذا زال العذر عاد حكم التحريم كما كان.

    وليست مجاملة أهل الكتاب ولا المسلمين من الأعذار التي تبيح المحرمات، ومن توهم أن التهاون بأحكام الدين من أسباب الترقي فقد انقلبت الحقيقة في نظره إلى ضدها، بل الإسراع إلى تغيير شعائر الأمة وآدابها وعاداتها التي تعد من مقوماتها أو مشخصاتها هو الذي يحل روابطها، ويمزق نسيج وحدتها، فلا ينبغي لعاقل أن يتهاون في المحافظة على ما ذكر، بل ينبغي مراعاة التدريج في ترك العادات الضارة إذا فشت في الأمة وصارت تعد من مميزاتها، فهذا أول ما يجب التفكر فيه والاعتبار به في هذا المقام وهو مما يغفل عنه الناس.

    على أن المجاملة لا تنحصر في اللعب بما هو محرم، ولا بما هو مباح أيضا.

    ثم إن في مسألة اللعب بحثين، أحدهما: هل الألعاب المذكورة في السؤال محرمة قطعًا وهي من الميسر أم لا؟ وثانيهما: هل الدخول إلى حجرة الخطابة من النادي لسماع شيء من العلم النافع يعد محرمًا لوجود حجرة تلعب فيها تلك الألعاب عند من يرى تحريمها؟ أما اللعب بالنرد، فالجمهور على تحريمه إلا أبا إسحاق المروزي قال: يكره ولا يحرم، وهو محجوج بحديث أبي موسى مرفوعًا في صحيح مسلم وسنن أبي داود وابن ماجه: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ».

    وعللوا ذلك بأنه كالأزلام يعول فيه على ترك الأسباب والاعتماد على الحظ والبخت، فهو يضر بذلك ويغري بالكسل، والاتكال على ما يجيء به القدر، أي فيه معنى الميسر المبني على الكسب بالحظ والنصيب دون العمل والجد، وما أشد إفساد هذا في الأمم، وما أبعده عن الإسلام الذي يهدي أهله إلى الجد والسعي والعمل، ولا يمكن التفصِّي من تحريم لعب النرد إلا إذا ثبت أن سبب النهي عنه أنهم كانوا يلعبون به على مال؛ وأنه حرم لذلك، وليس عندنا نص في ذلك، وهو لا يكون من الميسر حقيقة إلا إذا كان اللعب على مال.

    وأما الشطرنج فالأكثرون على أنه غير محرم ومنهم الشافعية، قال الشافعي: «إنه لهو يشبه الباطل، أكرهه ولا يتبين لي تحريمه»، وقال النووي: إن أكثر العلماء على تحريمه وإنه مكروه عند الشافعي أي تنزيهًا، واشترط لتحريمه أن يكون على عوض، أو يفوت على اللاعب الصلاة اشتغالًا به عنها.

    ولا يوجد حديث يحتج به ناطق بتحريمه، وكل ما لا نص من الشارع على تحريمه فهو مباح لذاته؛ إذا لم يكن ضارًّا واستعمل فيما يضر، فإن ترتب على فعل مباحٍ حرامٌ حُرِّم لهذا العارض لا مطلقًا، كأن يترك اللاعب بالشطرنج ما يجب عليه لله أو لعياله مثلًا، ويدخل في ذلك: اللعب بالورق، فإنه لا نص فيه من الشارع، ولكن قال بحرمته بعض الشافعية، وهؤلاء قد جعلوا للعب قاعدة فقالوا: إنه يحل منها ما فيه حساب وتفكر يشحذ الذهن كالشطرنج دون ما كان كالنرد أو كان من العبث، والحق أنه لا يحرم إلا ما كان ضارًّا كما تقدم آنفًا.

    ولا شك في كراهة الانهماك في اللعب والإسراف فيه، ولنا في النرد والشطرنج فتوى مطولة في المجلد السادس من المنار، فليراجعها من شاء[2].

    وأما حضور الخطب والمحاضرات العلمية والأدبية في النادي فلا وجه لتحريمها بحجة أن في النادي حجرة يلعب فيها لعب محرم؛ لأن الحرمة إنما هي على اللاعب وعلى من يراه ولا ينكر عليه، وكذا يباح دخول أي مكان من النادي ليس فيه منكر، وقد يستحب إذا كان فيه فائدة كموادة الأصدقاء ومجاملتهم.

    [1] المنار ج16 (1913) ص183-185.
    [2] المنار ج6 (1903) ص373-376.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 453 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات