• سبب نقل الروايات الموضوعة

    ذكرتم في الجزء الثاني من منار هذه السنة تفسير قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [النساء: 162] إلخ.

    ورأيتكم ذكرتم كما ذكر غالب المفسرين بإزاء تفسير: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: 162] الرواية الموضوعة المنسوبة لعثمان من أن في المصحف لحنًا ستقيمه العرب بألسنتها، وذكرتم أيضا أنها موضوعة، وأن السابقين الأولين بعيدون عن ذلك إلخ.

    فإذا كانت الآية بريئةً من نسبة هذه الرواية الموضوعة، وكذلك باقي آيات القرآن قطعًا، فما الداعي لذكر غالب المفسرين لهذه الرواية مع أن القرآن جميعه بريءٌ منها؟ فهلا تركوا ذكرها بإزاء تفسير الآية حتى لا يتأتى تشويش فكر لضعيف؟

    ما من أمة من الأمم إلا وفيها الصادقون والكاذبون، وما من دين من الأديان إلا وينتمي إليه المخلصون والمنافقون، وقد كذب الزنادقة وأهل الأهواء على نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم كما كذب أمثالهم على المسيح وحورايه وغيرهم من الأنبياء في الأمم السابقة، ولكن المسلمين امتازوا على جميع الأمم بتمحيص كل ما روي عن نبيهم وعن أصحابه، وإن لم يكن قول الصحابي برأيه حجة شرعية عندهم، ومن أظهر آيات صدق أئمة المحدثين أصحاب الجرح والتعديل، وبيان علل الحديث أنهم لم يكتموا شيئًا مما روي، ولم يُحكِّموا مذاهبهم وآراءهم وأهواءهم في ذلك، بل نظروا في الرواية نظر المؤرخ العادل، فما ظهر لهم قوة سنده منها صحَّحوه أو حسَّنوه، وما كان غير ذلك ضعَّفوه أو كذَّبوه، ولم تحملهم صحة المعنى على تصحيح الرواية، ولا مجرد كون المتن موضعًا للطعن والنقد، على الحكم على سنده بالوضع، بل فصَّلوا بين نقد المتون ونقد الأسانيد، فعني بهذا أناس وبذاك آخرون، ويقل من جمع بينهما فجمعوا لنا كل ما روي وقيل فينا، سواء كانت لنا أو علينا، فأما المفسرون فمنهم من لا هم له إلا نقل ما يراه في كتب مَن قبله من غير بحث ولا نقد، ولا تمييز بين ما يصح وما لا يصح لأجل نقده وبيان الحق، ومن هذا الباب نقلهم لما روي عن عثمان، ومن كان همه النقل فقط لا يخطر بباله ما يثيره نقله في نفوس القارئين ولا يحفل بذلك. [1]

    [1] المنار ج16 (1913) ص259-260.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 455 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة