• مدة خطبة الجمعة

    ترد إلينا كثيرًا شكاوى من بعض المصلين، يطلبون فيها تغيير الإمام أو الخطيب أو المؤذن لإطالته في الصلاة أو الخطبة أو نحو ذلك، كراهتهم ذلك منه، محتجين بما ورد في الحديث من إمامة الرجل قومًا وهم له كارهون، مع العلم بأن تكرار ذلك وكثرته يعود بآثاره السلبية على الإمام وجمهوره على السواء، لانقطاع التواصل المنشود بينهما - فضلًا عما ينشأ عن ذلك من عدم الاستقرار ومشاكل النقل والإسكان وغيرهما من الأعباء الإدارية.

    ولهذا نرجو أن تتفضلوا ببيان الضوابط الشرعية لهذه المسألة، حسمًا للخلاف فيها، وتحقيقًا للمصلحة العامة مع التكرم باستعجال العرض للأهمية ونظرًا لعزم القطاع إصدار تعميم إداري بهذا الشأن - نفع الله بكم وجزاكم عن الإسلام خير الجزاء.

    أركان الخطبة وشروطها وسننها وآدابها في مذاهب الفقهاء عامة لا تحتاج إلى أكثر من وقت قصير جدًا، وفوق ذلك فالأمر منوط بمدى حاجة المصلين وقدرتهم على الصبر والاحتمال من غير مشقة أو ضيق.

    وقد نص الفقهاء على أن من مكروهات الخطبة الإطالة فيها ولم يحددوا لذلك حدًا معينًا من الزمان، وتركوه لحصافة الخطيب ومهارته في تقدير حاجة المصلين وقدرتهم على الصبر والاحتمال، مع ملاحظة أضعفهم لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «اقْدِرِ النَّاسَ بِأَضْعَفِهِمْ فَإِنْ فِيهِمُ الْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ وَالسَّقِيمَ وَالبَعِيد وَذَا الْحَاجَةِ» رواه الشافعي في مسنده، والترمذي وحسنه وابن ماجه والحاكم وقال على شرط مسلم، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي هريرة: «يَا أبَا هُريرة إذا كُنْت إمَامًا فَقِسْ النَّاس بِأضْعَفهم» أخرجه ابن خزيمة وصححه وقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل عندما أطال الصلاة مرة: «أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ!» رواه الشيخان.

    وقوله لعثمان بن أبي العاص: «إِذَا أَمَمْتَ قَوْمًا، فَأَخِفَّ بِهِمُ الصَّلَاةَ» رواه مسلم.

    وقوله: «إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ فَاقْرَأْ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا» رواه مسلم والنسائي.

    ولو تصفحنا عامة خطب النبي صلى الله عليه وسلم وخطب أصحابه الأخيار في الجمعة والعيدين لما وجدنا فيها ما يزيد على بضع دقائق.

    ولهذا فإن على الخطيب والإمام أن لا يطيل الخطبة ولا الصلاة أكثر من طاقة القوم الذين يخطب فيهم أو يؤمهم من غير إخلال بأحكام الخطبة والصلاة، فإن زاد عن ذلك أثم لما فيه من إعناتهم وصرفهم عن الخشوع وحسن الاستماع وإيقاعهم في الفتنة وهي إفساد ممنوع شرعًا لم ينصب الخطيب ولا الإمام له، ثم إن فيه صرف المسلمين عن الجماعة والجمعة كرهًا به ونفورًا منه، وهو إثم يحبط العمل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ: الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» رواه الترمذي.

    لهذا فإن اللجنة تتوجه إلى السادة الخطباء والأئمة والقائمين على قطاع المساجد، بالالتزام والتنبيه إلى ضرورة تقصير الخطبة وصلاة الجمعة وصلاة العيدين، وسائر صلوات الجماعة على قدر طاقة المصلين بل على قدر طاقة أضعفهم لما تقدم من الأدلة، بشرط استكمال الشروط والأركان والسنن من غير زيادة، ولا بأس بأن يقوم المسؤولون عن قطاع المساجد بنصح المخالفين وتوجيههم المرة بعد المرة، قبل اتخاذ أي إجراء معهم، فإذا لم يلتزموا بذلك رغم تكرر النصح فلا بأس باتخاذ إجراءات مخففة معهم، حماية للمصلين من شططهم، كما أن اللجنة تتوجه للسادة المصلين بأن الصلاة عبادة من أعلى العبادات، وأن إطالتها على قدر الطاقة طاعة من أكثر الطاعات، والتبكير إلى المسجد من أجلها من أفضل القربات، وأن المسلم في صلاة ما دام ينتظر الصلاة، وأن سماع الخطبة والتفكر فيها والانتفاع منها فيه الصلاح والفلاح والمثوبة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» رواه البخاري.

    كما تذكر المصلين بأن المكث في المسجد بنية الطاعة والعبادة اعتكاف مأجور ومثاب عليه.

    وتذكرهم بضرورة احترام العلماء وتوقيرهم وعدم مقابلتهم بما يكرهون لقوله عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَعْطِف عَلى صَغِيرِنَا، وَيُوَفِّ عَالِمِنَا حَقّه»، فإذا اختلفوا مع العالم في أمر حاوروه فيه في أدب واحترام.

    وإذا كان لا بد من تحديد فترة زمنية لخطبة الجمعة تستوفي فيها أركانها وسننها وآدابها دون أن يلحق بالمصلين عنت، أو ينصرفوا عن الاستماع إلى الخطبة دفعًا لإطالة بعض الخطباء، فإن اللجنة ترى أن يفوض ذلك إلى القائمين على إدارة المساجد يحددونه بما يرونه مناسبًا.

    وعلى الخطيب أن يكون بليغًا يحسن اختيار العبارات والجمل ذات المدلولات العميقة والواضحة، ولا بأس بقراءة الخطبة من ورقة يعدها الخطيب مسبقًا، وبخاصة إذا كان مبتدئًا، أو يكتب المخطط العام للخطبة، لئلا ينسى نفسه ويسترسل ويخرج عن الوقت المحدد، ولا بأس للخطيب إذا وجد موضوعه شائكًا وطويلًا أن يجلس بعد الصلاة ليتم للمصلين موضوعه في درس يستمع إليه فيه من يرى في نفسه الحاجة والقدرة على الاستماع، أو أن يدّخر باقي جزئيات الموضوع ليقدمها في خطبة أو خطب تالية، وبذلك يستطيع أن يوفر للمصلين مصلحتي رفع الحرج عنهم، وإتمام فضله وعلمه عليهم، والله أعلم.

    مجموعة الفتاوى الشرعية

    رقم الفتوى: 3239 تاريخ النشر في الموقع : 04/12/2017

    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة