• حديث «من يخرج من النار، والإيمان المنجي»

    جاء في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدْ اسْوَدُّوا» الحديث.

    فهل المشركون من المسلمين يشملهم هذا الخروج؛ لأنه يصدق عليهم أن في قلوبهم مثقال حبة من خردل من إيمان، وقد جعلهم القرآن مؤمنين وهم مشركون فقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106].

    فإنهم مؤمنون بوجود الصانع وبأن الله خلقهم، وخلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: 87]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: 61]، ولكنهم مشركون باتخاذ الشفعاء والتقرب إلى الوسائط من المقربين وتسويتهم برب العالمين في التعظيم والتوجه بالدعاء والالتجاء؟ أم لا يشملهم هذا الخروج ويكون حكمهم حكم الدهريين الذين ينكرون وجود الصانع؟ وإذا كان هذه الخروج يشملهم، فهل يشمل مشركي المسيحيين أيضًا؛ لأنهم مؤمنون بوجود الصانع، أو لا يشملهم حيث إن شركهم يختلف عن شرك المسلمين فظاعة وشناعة، فإنهم يعتقدون تعدد واجب الوجود؟ أما المشركون من المسلمين فلا يعتقدون بتعدد واجب الوجود؛ بل يعتقدون تعدد المستحق للعبادة، هذه هي المسألة الأولى، أرجو بيانها بيانًا شافيًا.[1]

    قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: 72]. وقال تعالى في سياق محاجّة إبراهيم لقومه في التوحيد والشرك: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82].

    وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الظلم هنا بالشرك، وهو نكرة في سياق النفي يفيد أن الأمن من العذاب المقيم الذي أعده الله للمشركين خاص بمن آمنوا إيمانًا لا يشوبه شيء ما من الشرك، وإن كان مثقال حبة من خردل. وقد بينا حكمة ذلك في تفسير آيتي ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48]. فراجعه في تفسيرهما من مجلد المنار الخامس عشر[2].

    فعلم أنه لا مندوحة عن حمل حديث البخاري المسئول عنه على ما يتفق مع هذه الآيات، وأن يراد بمثقال الخردلة من الإيمان فيه المثال للإيمان الخالص الذي لا يشوبه مثقال خردلة من شرك، وهو الذي يعتد به في النجاة وإن لم يترتب عليه ما يترتب على الإيمان الكامل من الآثار العملية والنفسية لأسباب منعت من ذلك، كأن يموت المرء عقب اهتدائه إلى التوحيد الصحيح فلم يَنْمُ في قلبه، ولم يترعرع إلى أن يكمل وتصدر عنه آثاره.

    فإن لم يكن هذا هو المراد بالحديث كان معارضًا لهذه الآيات، ولا يمكن ترجيحه عليها أو إرجاعها إليه والقول بأن مثقال حبة من خردل من إيمان مشوب بالشرك ينجي صاحبه من النار بعد دخولها ويجعله من أهل الجنة، ولم يقل بهذا أحد من المسلمين بل أجمعوا على أن الشرك بالله لا يغفر منه شيء، ومن تلوثوا به من المسلمين جنسيةً لا يسمونه شركًا بل يسمونه اسمًا آخر، إلا من لم يبالِ بلقب الإسلام كالباطنية بعد تكونهم شيعًا ذوات عصبية، ثم إنه لا يمكن جعل ذلك خاصًّا بأمة من الأمم، ولا شك أنه يصدق على مشركي العرب في زمن البعثة أنه كان في قلوبهم إيمان كحبة الخردل أو أعظم، وإنما المراد بحبة الخردل منتهى القلة؛ فإن القرآن شهد لهم بأنهم يؤمنون بأن الله هو الخالق الرازق، وفيهم نزل ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106].

    والآيتان اللتان أوردهما السائل في سؤاله بعد هذه الآية، لا في المسلمين الذين يشركون كشركهم، فلو كان الإيمان بوجود الله مع اتخاذ شركاء بذلك المعنى منجيًا لكان مشركو العرب في الجاهلية ناجين حتمًا.

    أما حقيقة الشرك الذي لا يغفره الله تعالى، والذي حرم الله على صاحبه الجنة فهو مبيَّن في القرآن في مواضع كثيرة جدًّا، وينقسم إلى شرك في الألوهية بعبادة غير الله تعالى، ومخ العبادة وجوهرها الدعاء أي طلب الخير ودفع الشر في الدنيا والآخرة، وشرك في الربوبية باتخاذ بعض الناس شارعين يحلون لهم ويحرمون عليهم ويشرعون لهم ما لم يأذن به الله فيتبعونهم، وقد شرحنا ذلك مرارًا كثيرة في المنار في التفسير منه وغير التفسير.

    والمعطِّل المنكر لوجود الله تعالى لا يسمى مشركًا، ولكنه شر من المشرك، فإذا كان الله لا يغفر لمن يؤمن بأنه الحق الخالق الرازق إذا توجه إلى غيره معه ودعاه من دونه، ولو ليقربه إليه زلفى، فهل يغفر لمن جحده مطلقًا؟ ولا نرى وجهًا لتفرقة السائل بين الشرك باعتقاد تعدد المستحق للعبادة وتعدد واجب الوجود، فإن المسلمين مجمعون على أن المستحق للعبادة هو واجب الوجود، وواجب الوجود هو المستحق للعبادة، وهو الله تعالى، لا تصدق العبارتان إلا عليه تعالى، وإن اختلفتا في المفهوم، والعبارة الثانية من اصطلاحات المتكلمين تبعًا للفلاسفة، فما ذكره من الشرك واحد، والنصارى لا يقولون بتعدد واجب الوجود كما قال، ولكن لهم فيه فلسفة لا تعقل؛ وهي التوحيد مع التثليث، أما من يتوهم أن عند الله فرقًا بين المشركين باختلاف من أشركوهم معه في الدعاء أو غيره من خصائص الألوهية والربوبية فهو -كما يعلم السائل الموحد- جاهل أحمق؛ إذ العبرة بحقيقة الشرك لا بأصناف الشركاء، فلا فرق بين من أشرك به ملكًا أو نبيًّا، ومن أشرك به كوكبًا أو حجرًا أو شيطانًا، وفي مشركي المسلمين من أشركوا بالله بعض آل بيت نبيه بالعبادة والدعاء، ومنهم من أشركهم بالتشريع أيضا كأصناف الباطنية، وآخرهم البابية، ومن هؤلاء من انسلخ من اسم الإسلام كما انسلخ من معناه، ومنهم من حافظ على انتحال اسمه مع لقب مذهب أو طريقة أو طائفة، ولو على سبيل التقية، ومنهم من أشرك من دون آل البيت حتى النبات والجماد على نحو ما كان عليه مشركو الجاهلية وغيرهم، فأما المحافظون على اسم الإسلام وشرائعه الظاهرة فما نزغ به الشيطان بينهم جهل يسهل على العلماء إرجاعهم عنه إذا بينوا لهم التوحيد الخالص من غير تأويل، وأما من ليسوا كذلك فقد صاروا أبعد عن الإسلام من كثير من الوثنيين الخُلَّص، وكل ذلك معروف.
     

    [1] المنار ج16 (1913) ص428-430.

    [2] المنار ج15 (1912) ص241-255.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 464 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة