• ترك بعض العلماء لفريضة الحج

    نرى كثيرًا من علماء الأمة الإسلامية ومرشديها المصلحين منهم من عاش ومات وهو لم يحج مع أنه ربما رحل في سنته مرتين أو ثلاثًا إلى أوربا أو إلى غيرها من البلاد ولم يذهب إلى مكة مع أنه كان الألزم والأوجب أن يقصد مكة والحج كل موسم للنصح والإرشاد.

    فهذا ساكن الجنان الأستاذ الإمام والمرحوم السيد عبد الرحمن الكواكبي وغيرهم عاشوا وماتوا وهم لم يروا مكة في وقت الحج.

    وحضرتك أيضًا كذلك، فما هي الأسباب يا ترى؟ ونحن نعتقد أن امتناعكم جميعًا عن الحج لا بد له من سبب، فما هو ذلك السبب العظيم الذي يمنع رجال الإصلاح العظام عن الحج المقدس؟

    الحج فرض على من استطاع إليه سبيلًا، وهو على التراخي لا الفور إذا وُجِدَ العذرُ، والخلاف في المسألة مشهور، ولم يحج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في آخر سنة من عمره، ولكنه اعتمر قبل ذلك.

    ومن ترك الحج وهو يستطيع السبيل إليه حتى مات، مات عاصيًا لله تعالى.

    ولا يقتدى به ولا يعد تركه إياه عذرًا لغيره، والسائل يقول: إنه يرى كثيرًا من علماء الأمة ومرشديها المصلحين لم يحجوا، وأنا لا أعرف أحدًا من العلماء المصلحين ولا غيرهم من الجامدين الراضين بحال المسلمين السيئة ترك الحج بغير عذر حتى مات.

    وقد ذكر السائل منهم الأستاذ الإمام والسيد الكواكبي -رحمهما الله تعالى- وذكرني معهم.

    فأما الكواكبي فهو من علماء الاجتماع والسياسة لا من علماء الدين، وإن كان له مشاركة ما في الفقه ونحوه لا تنكر، ولا أدري أحج أم لا؟ وأنا ما عرفته إلا في مصر، ولم يكن ذا سَعَةٍ فيها، نعم إنه ساح بعد هجرته إلى مصر في جزيرة العرب ثم عاد إليها، ولكن بمساعدة من بعض الناس، ومن لا يستطيع الحج إلا بمال غيره لا يجب عليه الحج، ولا أن يقبل تبرع غيره له بنفقته إن هو تبرع.

    وأما الأستاذ الإمام فأنا أعلم أنه كان عازمًا على الحج وقد سمعت ذلك من لسانه وأنه يريد أن يقيم في المدينة المنورة وما جاورها طائفة من الزمن، ويبحث عن مواضع غزوات النبي صلى الله عليه وسلم بحثًا يستعين به على ما كان ينويه من الكتابة في تاريخ الإسلام، وتحرير سيرته عليه الصلاة والسلام، وقد بينت عذره وعذري وسبب تأخيرنا للحج من قبل، فمن ذلك قولي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97] من جزء التفسير الرابع ما نصه: إن كثيرًا من أمراء المسلمين ونابغيهم يعلمون أن دون أدائهم لفريضة الحج عقبات سياسية لا يسهل اقتحامها، وقد جاء في صحف الأخبار أن أمير مصر استأذن السلطان في حج والدته وبعض أمراء أسرته فلم يأذن.

    وقد كان الأستاذ الإمام يعتقد اعتقادًا جازمًا فيه أنه إذا حج يلقي بيديه إلى التهلكة، وأنه لا أمان له في الحرم الذي كان يرى الجاهلي فيه قاتل أبيه فلا يعرض له بسوء.

    وإن كاتب هذه السطور يعتقد مثل هذا الاعتقاد، فنسأل الله تعالى أن يحقق لنا ثانية مضمون قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97] لنمتثل ما فرضه علينا من حج هذا البيت... إلخ.

    وأقول الآن: قد ظهرت صحة اعتقاد الأستاذ واعتقادنا في هذا في مرض موته حين قبضت الحكومة الحميدية العثمانية في بيروت على الحاج محيي الدين حمادة عند عودته من مصر؛ لأنه كان ضيفًا له وكانت بنت أخيه زوجًا له، وأخذت أوراقه وحبسته على وجاهته وحسن سيرته وبعده عن السياسة ومذاهبها، ثم علمنا أن الحكومة كانت ترسل العسكر بعد ذلك ليلًا لمراقبة سواحل بيروت وما يجاورها؛ لأنه بلغها أن الأستاذ يريد النزول فيها.

    وكانت هذه الحكومة قبل ذلك وبعده تصادر كل كتاب يدخل المملكة العثمانية إذا وجد عليه أو فيه اسم محمد عبده أو اسم المنار، أو مطبعة المنار، دع اسم صاحب المنار، وتمنع أيضًا ذكر هذه الأسماء في هذه الجرائد، ويعلم قارئ المنار في زمن عبد الحميد أنه كان ممنوعًا من ممالكه، وأن والدي مات والعسكر يحيط بداره وكان أخي في السجن؛ لأن المنار وجد عنده، وكانت الحكومة تعاقب كل من تعلم أنه يقرأ المنار أو يكاتب صاحبه.

    والسبب في ذلك كله وسوسة جواسيس السوء للسلطان عبد الحميد بأننا نريد إقامة خلافة قرشية في الحجاز أو غير الحجاز وكان من هؤلاء الجواسيس مصطفى باشا كامل.

    خلع السلطان عبد الحميد بعد وفاة الأستاذ الإمام فظهر ورثته من الاتحاديين بعداء للعرب أشد خطرًا علينا مما كان من عداء عبد الحميد لنا، جئنا الآستانة وحاولنا أن نقنعهم بحسن نية العرب ووجوب إنصافهم فلم نستطع.

    ثم جعلوا صاحب هذه المجلة من أعدى أعدائهم وذنبه عندهم أنه يدعو إلى النهضة العربية، فكان قصد الحج في هذه المدة مما يقوي سوء ظنهم، ولا يؤمن معه غدرهم، وقد صادروا المنار في بريدهم، ومنعوا دخوله لبلادهم، كما فعل عبد الحميد لمثل ذلك السبب، وقد صار خلفاء مصطفى كامل من زعماء الحزب الوطني وكتاب جرائده جواسيس لهم كما كان زعيمهم جاسوسًا لعبد الحميد، ويتهموننا بما كان يتهمنا به وفي مقدمتهم محمد بك فريد والشيخ عبد العزيز شاويش، ولكننا دخلنا مع الاتحاديين الآن في طور جديد يرجى أن تمحى فيه سعاية الجواسيس، فقد اعترفوا بأننا نطلب حقًّا وأجابونا إلى بعضه رسميًّا ووعدوا بالباقي وعدًا مؤكدًا.

    فعسى أن يتم الاتفاق، ويمحو آية الشقاق، ويكون قد ظهر لهم حسن نيتنا وإخلاصنا نحن وسائر طلاب الإصلاح من قومنا لهذه الدولة، وحرصنا على تعزيزها وإصلاح شأنها، وهذا ما يظهرونه الآن، وقد بلغونا أن منع المنار قد ارتفع.

    ويترتب على حسن نيتهم في العرب رضاهم بعمران الحجاز، وعدم خوفهم من زيارة طلاب الإصلاح له في النسك وغير النسك، وحينئذ نرجو أن يوفقنا الله في العام القابل لأداء الفريضة بفضله وكرمه. [1]

    [1] المنار ج16 (1913) ص686- 688.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 480 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات