• ترك ملوك المسلمين وأمرائهم الأغنياء للحج

    نرى أن جميع ملوك الإسلام وأمراءه وأغنياءه لا يحجون ولا نرى الحجاج سواهم إلا من فقراء الهند والصين وروسيا وجاوة وبلاد العرب كمصر وتونس وسوريا والعراق وغيرها.

    وهذا كثير من سلاطين آل عثمان (الخلفاء) وأمراء البيت السلطاني وأعاظم الرجال من الوزراء والحكام والأغنياء المشار إليهم بالبنان كلهم لا يحجون ولا يدور في خلد أحدهم أن يحج، فما هو السر في ذلك يا ترى؟ وكم عجبنا لما سمعنا بحج أمير مصر قبل سنتين، وكثر تحدث الناس في ذلك حتى تجرأ أحدهم فقال: إن المقصود من حج العزيز غرض سياسي ورحلة في جهات الحجاز لا غيرُ، وليس له مقصد في الحج قطعًا.

    هذا ما وجهناه لحضرتكم ملتمسين التنازل بمجاوبتنا عليه، ولك يا سيدنا الخيار في المجاوبة أن تكون على صفحات المنار أو كتاب مخصوص، وإذ كانت في المنار تكون أعم وأنفع، وإن أردت أن تجاوب على بعضها في المنار وبعضها كتابة مخصوصة فالأمر إليك، ونحن قد اتكلنا بعد الله عليك، ولنا كبير الأمل أن حضرتك تهدينا إلى سواء السبيل لا سيما وحجنا يتوقف على جوابكم؛ لأنه لا يخفاك أننا نقصد الحج نطلب الأجر والغفران، لا الإثم والخسران، فأمط لنا -بما أعطاك الله من سعة العلم- نقاب الباطل عن وجه الحقيقة أدامك الله سراجًا يهتدي به مَن ضل عن محجة الصواب، والسلام عليك.
     

    سبق لنا في مجلدات المنار السابقة الانتقاد على سلاطين آل عثمان وملوك إيران وغيرهم من أمراء المسلمين ترك فريضة الحج، ولكن لم يخطر في بالنا أن أحدًا من المسلمين يقتدي بهؤلاء الملوك والسلاطين في ترك هذه الفريضة، وكذلك الأغنياء المترفون لا يصح أن يكونوا قدوة في ذلك ولا أن يكونوا شبهة من الشبهات على الحج.

    ومن سوء الظن القبيح أن يقول مسلم: إن حَجَّ عزيز مصر الأمير عباس الثاني كان لغرض سياسي، وأي غرض سياسي يتوقف على أدائه لمناسك الحج؟ على أن كثيرًا من الأغنياء يحجون، فإن كان غير الأغنياء أكثر حجًّا؛ فذلك لأنهم في أنفسهم أكثر عددًا، وأقل فسقًا وترفًا، هذا ما نراه كافيًا في جواب هذه الأسئلة، فعسى أن يراه السائل كذلك، والله الموفق. [1]

    [1] المنار ج16 (1913) ص688.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 481 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات