• التداوي بالخمر

    [1]هل يحلّ التداوي بالخمر -إذا ظن نفعها بخبر طبيب- أخذًا من آية ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78][2]، ومن القاعدة المتفق عليها: الضرورات تبيح المحظورات.

    وإذا جوّزتم فما ترون في حديث: «إنها داء وليست بدواء» أو كما ورد.

    التداوي بالخمر لِمَنْ ظن نفعها شيء، والاضطرار إلى شربها شيء آخر.

    فأمّا الاضطرار فإنما يعرِض لبعض الأفراد في بعض الأحوال، وهو يبيح المحرم من طعام وشراب بنص قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119][3].

    وينفي الحرج والعسر وغير ذلك من الأدلة.

    وقد مثّل الفقهاء له في شرب الخمر بمن غُصّ بلقمة فكاد يختنق ولم يجد ما يسيغها به سوى الخمر.

    ومثله من دنق من البرد وكاد يهلك ولم يوجد ما يدفع به الهلاك بردًا سوى جرعة أو كوب من خمر، ومثله أو أولى منه مَنْ أصابته نوبة ألم في قلبه كادت تقضي عليه؛ وقد علم أو أخبره الطبيب بأنه لا يجد ما يدفع عنه الخطر سوى شرب مقدار معين من الخمر القوية؛ كالنوع الحديث الإفرنجي الذي يسمونه (كونياك) فإننا نسمع من الأطباء أنه يتعين في بعض الأحيان لعلاج ما يعرض من مرض القلب ودفع الخطر وقد ثبت ذلك بالتجربة.

    وهذا النوع من العلاج لا يكاد يكون شربًا للخمر وإنما يؤخذ منه نقط قليلة لا تسكر.

    وأمّا التداوي المعتاد بالخمر لمن يظن نفعها ولو بإخبار الطبيب كتقوية المعدة أو الدم ونحو ذلك مما نسمعه من كثيرٍ من الناس فهذا هو الذي كان الناس يفعلونه قبل الإسلام ونهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ونص الحديث الذي أشار إليه السائل: «إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي، وسببه: أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي عن الخمر -وكان يصنعها- فنهاه عنها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقاله.

    وقوله: «وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» هو الحق وعليه إجماع الأطباء، فإن المادة المسكرة من الخمر سم تتولد منه أمراض كثيرة يموت بها في كل عام ألوف كثيرة، والسموم قد تدخل في تركيب الأدوية، ولكن الذين يشربون الخمر -ولو بقصد التداوي بها- لا يلبثون أن يؤثر في أعصابهم سمُّها، فتصير مطلوبة عندهم لذاتها، أي لا لمجرد التداوي بها، فيتضررون بسمها، فلا يغترنّ مسلم بأمر أحد من الأطباء بالتداوي بها لمثل ما يصفونها له عادة، واللهُ الموفق.

    [1] المنار ج17 (1914) ص183-184.
    [2] وردت (ما جعل الله...) في المنار.

    [3] (فصل) وردت (بين) في المنار.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 492 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة