• نجاسة الخمر

    هل الخمر نجسة، وما دليل نجاستها إن قلتم بها؟ فإني لم أَرَ دليلًا شافيًا بعد شدةِ البحث.[1]

    ذهب جمهور الفقهاء إلى نجاسة الخمر، وروي عن ربيعة شيخ الإمام مالك القول بطهارتها، فأمّا نجاستها المعنوية فلا شك فيها، وأمّا النجاسة الحسية فلا تصدق على الخمر لغةً لأنها ليست قذرة، والنجس ما كان شديد القذارة، ولا قام عليها دليل من الكتاب ولا من السنة، وقد شرحنا ذلك في المجلد الرابع من المنار[2] فليرجع إليه السائل إن شاء.

    وقد جمعتنا الأيام بعد كتابة ما كتبناه في ذلك المجلد بجماعة من أكابر علماء الأزهر في قطار خاص من قطارات سكة الحديد كان يحملنا إلى بلدة (ديروط) بدعوة قطب باشا قرشي رحمه الله للاحتفال بتأسيسه مسجدًا ومدرسةً فيها، فدار الكلام بيننا في هذه المسألة، فقال أحد علماء المالكية: إنه يريد أن يكتب رسالةً يثبت فيها نجاسة الخمر بالدليل فتكون ردًّا على المنار، قلت له: إذا جئت بدليل صحيح يقبله المنار وينشره في الأقطار، وإلا ردّ عليك ما تكتب، ويمكنك أن تذكر الآن ما عندك من الدليل، قال: (الإجماع)؛ قلت: لم ينقله أحد بل نقلوا عن الإمام ربيعة التصريح بطهارتها، قال: (آية المائدة) قلت: إن لفظ (رجس) محمول فيها على الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، ولم يقل أحد من المسلمين بنجاسة الميسر والأنصاب والأزلام، فتعيّن أن يكون الرجس هو المستقبح عقلًا وشرعًا لضرره، والرجس يكون حسيًّا؛ وهو ما يدرك بأحد الحواس، ويكون معنويًّا وهو ما يعرف بالعقل والشرع مجتمعين أو منفردين، قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 100]، وقال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: 125]، وقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: 30]، ولا يمكن إرادة النجاسة الحسية بشيء من ذلك.

    ولمَّا لم يستطع الأستاذ المالكي أن يقيم دليلًا، سأل أحد الحاضرين مفتي الديار المصرية -وكان يسمع المناظرة- عن رأيه في المسألة.

    فقال المفتي: ما مذهب الأستاذ؟ يعني كاتب هذا- قيل له: شافعي، فقال لي: ما المعتمد عند الشافعية في المسألة؟ قلت: المعتمد أن الخمر نجسة.

    قال: انتهى الأمر.

    قلت: لا، إننا نبحث في الدليل على نجاسة الخمر لا في نص المذهب.

    فإن كان لديك دليل فاذكره لنا.

    فلم يأت بشيء.

    ثم سكت الشيوخ وسكتنا.

    [1] المنار ج17 (1914) ص184-185.
    [2] المنار ج4 (1901) ص500- 503، وص821- 827، وص866-871. أنظر أعلاه فتوى رقم 49.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 493 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات