• الخلاعة في التمثيل

    سلام على إمامنا السيد الرشيد أيده الله.

    وبعد فلا يخفى أن مولانا السيد كان أفتى في المنار مَن استفتاه من دمشق في أمر التمثيل الروائي بأنه جائز إذا لم يكن فيه خلاعة.

    ونظر الأستاذ ذلك الجواز بكتب الأدب واللغة التي هي روايات خيالية وعلمية لا عملية كالمقامات.

    ولما كان الداعي مختلفًا هو وبعض العلماء في تلك الخلاعة اتفقنا على أن أستفتي سيادة الأستاذ في بيان وجهها.

    فسر الداعي تلك الخلاعة بما يتخيله الفساق ويحصل في المراقص لا في الروايات التي يمثل فيها النساء مع الرجال، وهي روايات أدب وعلم وصدق وعدل.

    وفسر ذلك البعض الخلاعة بحال تلك النساء الممثلات.

    فإنهن يكن كاشفات الرأس والوجه واليدين حتى ما فوق المرفقين وأعلى الصدر.

    مع المعانقة الجزئية بين العاشق والمعشوقة وتقبيل جبهتها حسب ما يقتضي التمثيل.

    ويكنَّ أيضًا لابسات أفخر الثياب مع زينة الحلي.

    فذكرت لهذا المفسر أن هذه الحال لا تكون إلا لمجرد التمثيل كي تظهر نتيجتها من حيث التوفيق بين العاشقين أو الحكم عليهما حسب مقتضى أمرهما كما هو من فوائد التمثيل التي تحدث عظة أو خلقًا في نفس الرائي.

    ثم إنني ذكرت لذلك العالم أنه يسوغ أن يقاس ما فسرت أنا على الحديث الصحيح الذي فيه أن عائشة رضي الله عنها كانت تنظر مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرجال وهم يلعبون.

    فلما أورد هذا الحديث على الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه وهو يحرم نظر الأجنبية إلى الأجنبي، أجاب أن نظرها إنما هو اللعب نفسه ولم يكن مقصودًا به النظر المجرد إلى الرجال.

    فقال لي ذلك العالم: إن ذلك كان في زمن غير زمننا المعروفة أحواله.

    فأجبته بأن تخيل الفسق يكون إثمه على من يتخيله.

    فهذا خلافنا رفعته إلى مولاي الأجلّ كي يحكم بيننا بالحق.

    فالمرجو الجواب في الجزء الآتي من المنار، أعز الله به الإسلام وناصريه والحمد لله أولًا وآخرًا.
     

    إن الخلاعة التي ينبغي أن تكون مانعة من رؤية تمثيل القصص هي ما كان ذريعة للفسق وفساد الأخلاق.

    فإنه ليس لأحد أن يحرم شيئًا غير ما حرم الله ورسوله بالنص أو اقتضاء النص وهو سد الذرائع.

    فمن يخاف أن يغريه هذا التمثيل في بعض القصص بفعل محرم وجب عليه اجتنابه.

    ومن لا يخاف على نفسه ذلك تباح له رؤيته.

    وإذا غلب فيه كونه ذريعة لمحرم يصح إطلاق القول بتحريمه.

    ولم يثبت هذا؛ بل المعروف أن من يحضرون هذا العمل يكون جل همهم مراقبة الأعمال كرؤية عائشة للعب الحبش، وأن يعرفوا الوقائع وعاقبتها ومآلها.

    وقلما سمعنا أن أحدًا منهم يحفل بغير ذلك.

    فإن وجد من افتتن في بعض البلاد بامرأة ممثلة فلا يصح أن يجعل نفس التمثيل ذريعة لذلك على الإطلاق؛ إذ ثبت في كل زمن أن بعض الناس يفتنون ببعض الحسان في الطرق أو المعابد.

    أما النساء اللاتي يمثلن في بعض القصص مكشوفات الرؤوس والسواعد فلسن -كما يعهد في هذه الأقطار- بمسلمات ولا يكلفن من فروع الشريعة ما تكلفه المسلمات.

    وقد جرى عرف أهل ملتهن على إسقاط حرمة الستر فلا يعدونه فضيلة بل نقصًا.

    وهن يمشين في الأسواق والشوارع حاسرات كما يكن في معاهد التمثيل.

    ولا فرق بين رؤيتهن في الأسواق ورؤيتهن في تلك المعاهد ولا بين الاختلاف إلى الأسواق وهن فيها والاختلاف إلى تلك المعاهد وهن فيها، والعبرة في ضرر ما يمثل من حيث الخلاعة والتهتك وغيره بموضوع القصة.

    فإذا كان موضوعها أعمالًا منكرة بحيث يكون تأثيرها سيئًا ضارًّا، فلا وجه للتردد في حظر ما كان كذلك ومنعه إن أمكن وإلا فالامتناع من رؤيته، وأما ما كان موضوعه حسنًا مرغبًا في الفضيلة، منفرًا عن الرذيلة، أو مبينًا لعواقب ظلم الحكام، واستبدادهم في الأحكام، ومرشدًا للأمة إلى إزالة الظلم، وأطر الظالمين على الحق، ومُجرئًا لها على مقاومة العدوان والبغي؛ فهو الذي يعده الحكماء من مربيات الأمم، ومهذبات الأخلاق، وينظمونه في سلك أساليب التربية العملية. [1]

    [1] المنار ج17 (1914) ص503- 504.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 504 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة