• الأذان الأول يوم الجمعة

    ما قولكم في الأذان المسمى عندنا بالأول من يوم الجمعة؟

    أحدثه عثمان في خلافته وأقره الصحابة رضي الله عنهم، وما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة، فالأظهر أنه استعمل البدعة هنا بمعناها اللغوي لا للإنكار، ومعناه أنه لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قيل: ويحتمل أنه للإنكار؛ أي: لأن مقتضى إكمال الدين في عهده صلى الله عليه وسلم أن لا يزاد في العبادات ولا سيما الشعائر بعده شيء، وإنما الاجتهاد في مسائل المعاملات والمصالح التي تختلف باختلاف الزمان والمكان لا العبادات وشعائر الإسلام التي لا يدخل فيها القياس الذي احتجوا به لفعل عثمان رضي الله عنه ويمكن أن يُجاب عن هذا بأن الأذان للإعلام بالوقت وسيلة للصلاة اجتهادية لا عبادة مقصودة لذاتها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم استشار المسلمين في أمر هذه الوسيلة واستحسن ما كان منهم من رأي ورؤيا؛ فلأجل هذا رأى عثمان والصحابة أن هذه المسألة يصح العمل فيها برأي أولي الأمر إذا احتيج إلى ذلك.

    فلما حدثت الحاجة بكثرة المسلمين وعدم تبكيرهم إلى المسجد على نحو ما كانوا يفعلون في عهده صلى الله عليه وسلم أمر عثمان المؤذن أن يؤذن بهم للجمعة على الزوراء -وهي موضع أو دار له بسوق المدينة- وأبقى ما كان من أذان المسجد عند جلوس الإمام على المنبر كما كان إبقاء للعبادة كما كانت.

    قال السائب بن يزيد رضي الله عنه فيما رواه عنه البخاري وأبو داود والنسائي: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء ولم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم غير مؤذن واحد.

    وفي رواية أخرى لهم زيادة فثبت الأمر على ذلك.

    والمراد بقوله: النداء الثالث هو الأذان الأول، فهو أول بالنسبة إلى تقديمه في العمل وثالث بالنسبة إلى حدوثه بعد الأذانين المشروعين لكل صلاة، أعني الأذان والإقامة، وكانوا يطلقون عليهما (الأذانين) على طريق التغليب أو لأن الأول إعلام بوقت الصلاة والآخر إعلام بالشروع فيها، ولكنهم إذا ذكروا الإقامة وحدها لا يسمونها أذانًا بل إقامة.

    والمرجح المختار عندنا في هذه المسألة أن يتبع الناس في كل حالة ما كان عليه السلف الصالح، فإذا علمنا أن المصلين اجتمعوا في المسجد على نحو ما كانوا عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما اكتفينا بأذان المسجد، وإذا كانت الحال كما كانت في عهد عثمان وعلمنا أن الأذان الأول على المنارة أو في السوق مجلبة للمصلين فعلناه.

    ولا ينبغي لمسلم أن ينكر على أهل مسجد ما يختارونه من هذه الفعلين؛ إذ لا يصح أن يكون ما حدث في عهد عثمان ناسخًا لما قبله، ولا أن يكون ضلالة من بعض الراشدين أقره عليها الصحابة، فليتق الله مَن تُحدثه نفسه بهذا الإنكار.

    وليعرف قيمة نفسه أولًا، وأما قول السائل: لم يكن له صلى الله عليه وسلم غير مؤذن واحد فهو خاص بأذان الجمعة[1].

    [1] المنار ج19 (1916) ص539- 540.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 529 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات