• ختام الصلاة جهارًا في المسجد

    ما قولكم في ختام الصلاة جهارًا في المسجد؟

    ختام الصلاة جهارًا في المساجد بالاجتماع ورفع الصوت من البدع التي أحدثها الناس، فإذا التزموا فيها من الأذكار ما ورد في السنة كانت من البدع الإضافية وقد تساهل فيها كثير من مقلِّدة الفقهاء وأطال العلامة الشاطبي الكلام في إنكارها في كتابه الاعتصام، ونقلناه عنه في المنار فليراجعه من شاء.

    وهذه البدعة قد انتشرت في الأقطار الإسلامية منذ بضعة قرون حتى عمت الغرب والشرق والجنوب والشمال، ولما أنكرها من أنكرها في الأندلس كثر فيها القيل والقال، وقد كنت فطنت لها قبل أن أرى لأحد من العلماء كلامًا فيها فتركتها في أواخر زمان الطلب ولكنني لم أترك الأذكار الواردة بل كنت أقولها وأنا منصرف من الصلاة، ولم يخطر في بالي أن أنهى عنها أحدًا، ولا أنها يصح أن تسمى بدعة.

    ولما كنت في عليكره من الهند سنة 1330 قدموني للخطبة وإمامة الجمعة فلما فرغت من الصلاة لم أستطع الانصراف ولا التحول من شدة الازدحام في المسجد ولا رأيت أحدًا من الناس انصرف ولا قام لصلاة ولا غيرها، ثم خلص إليّ شاب من طلاب العلوم الدينية فأخبرني أن الناس ينتظرون أن يسمعوا مني أذكار ختم الصلاة ليتبعوني فيها ويقوموا إلى صلاة السنة البعدية وغيرها من شؤونهم، قلت: إن هذا غير مشروع، قال: ألم يرد في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بعد السلام: «اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلاَمُ، وَمِنْكَ السَّلاَمُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلالِ والإكْرَامِ» قلت: نعم قد صح أنه كان إذا سلم لم يقعد إلا بمقدار ما يقول ذلك (رواه مسلم) ولكن لم يصح أنه كان يقول ذلك رافعًا صوته ليسمعه الناس ويقولونه بقوله، وأنا قد قلت ذلك سرًّا.

    ولما جئت بيروت عند منصرفي من الهند أقمت فيها أيامًا كنت أقرأ درسًا بعد الظهر في مسجد المجيدية من كل يوم، فشُغل المؤذن بعد صلاة الجمعة يومًا عن الأذكار والأدعية التي جرت العادة برفع صوته فيها واتباع جمهور المصلين له، شغلته عنها صلاة الجنازة، فظل كثير من الناس ينتظرونه متلفتين إلى اليمين وإلى الشمال، فبدأت الدرس ببيان الحق في هذه المسألة وهو أنه ليس من السنة أن يجلس الناس بعد الصلاة لقراءة شيء من الأذكار والأدعية المأثورة ولا غير المأثورة برفع الصوت وهيئة الاجتماع كما اعتادوا في الأقطار المختلفة، وأن هذه العادة صارت عند الناس من قبيل شعائر الدين التي يُنكر على تاركها والناهي عنه، وإنكار تركها هو المنكر.

    وأن ما ورد في بعض الأحاديث من الأذكار كقول: «اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلاَمُ» إلخ والاستغفار والتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل يُستحب أن يقوله الأفراد سرًّا في أي حالة يكونون عليها بعد الصلاة من قيام وقعود ومشي وأن الاجتماع لذلك والاشتراك فيه ورفع الصوت بدع هوَّنها على الناس التعود، ولو دعاهم أحد إلى مثل هذه الصفات في عبادة أخرى كصلاة تحية المسجد مثلًا لأنكروا عليه أشد الإنكار.

    ولما عدت إلى مصر وشرعت في طبع كتاب الاعتصام للشاطبي رأيته وفَّى هذه المسألة حقها، فحمدت الله تعالى[1].

    [1] المنار ج19 (1916) ص541- 543.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 533 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة