• خروج النيل والفرات من سدرة المنتهى وكونهما من الجنة

    روي في الصحيحين من حديث الإسراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يحدث عن الجنة: إن بها نهرين ظاهرين هما النيل والفرات، وإن منبعهما في أعلى سدرة المنتهى، ونهرين باطنين ينبعان من أصل السدرة، وقد أصبح مما لا ريب فيه أن كلًا من النيل والفرات له منابع خاصة، فلا نستطيع التوفيق بين الحديث وبين ما أثبته العلم الحديث، حتى لقد قال بعض الناقدين في الحديث من العلماء: إنه مَوْضُوع؛ إذ ليس بعد العيان من دليل، وقوّى ذلك اضطراب روايات الحديث خصوصًا ما روي عن أم هانئ أنها صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء، ثم بات عندها، ومعلوم أنه لم يكن قبل الإسراء عشاء، مع اتفاق أهل السير على أنها لم تسلم إلا يوم الفتح أو بعده.
     

    في حديث أنس عن مالك بن صعصعة أنه صلى الله عليه وسلم لما ذكر سدرة المنتهى قال: «وَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، فَقُلْتُ مَا هَذَا يَا جِبْرِائيلُ؟ قَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ»، وفي رواية أُخرى لحديث المعراج عند البخاري «فَإِذَا فِي أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ»، وقد اختلفت الروايات في سدرة المنتهى، ففي بعضها أنها في السماء السادسة، وفي بعضها أنها في السابعة، وفي أخرى أنها في الجنة، وقال القاضي عياض: هي في الأرض.

    وفي بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع إليها، وفي بعضها أنها هي رفعت إليه حتى رآها، وفي رواية شريك لحديث المعراج في كتاب التوحيد من صحيح البخاري: أنه رأى في السماء الدنيا نهرين يطردان، فقال له جبريل: «هُمَا النِّيلُ وَالْفُرَاتُ».

    فروايات حديث المعراج مضطربة المتن في هذه المسألة وغيرها، كثيرة التعارض والاختلاف كما بيناه منذ سنين.

    والظاهر أن من أسباب الاضطراب والاختلاف في هذه الأحاديث روايتها بالمعنى، ولم ير جمهور العلماء المتقدمين حاجة إلى ردها بالاضطراب، ولا تأويل هذه المسألة فيما أولوا، قالوا: لأنها لا تنافي العقل.

    وفاتهم أنها تخالف ما هو أقوى من دلالة العقل الذي يكثر غلطه في النظريات وهو الحس، فإن الألوف من الناس رأوا منبع النيل والفرات بأعينهم، وفي مصر كتاب مطبوع فيه رسم بحيرات النيل التي ينبع منها ومجراه من أوله إلى مصبه في البحر المتوسط.

    قال النووي في شرح مسلم: قال القاضي عياض رحمه الله: هذا الحديث يدل على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض لخروج النيل والفرات من أصلها.

    زاد الحافظ في شرح البخاري: وهما بالمشاهدة يخرجان من الأرض، فيلزم منه أن يكون أصل سدرة المنتهى في الأرض.

    وردّ النووي قول القاضي بظاهر معنى الحديث، وكونه لا يمنعه عقل ولا شرع، ثم ذكر النووي في شرح حديث أبي هريرة عند مسلم في المسألة: «سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ»، إن سيحان وجيحان في بلاد الأرمن، الأول نهر أذنه (أطنه) والثاني نهر المصيصة، ثم نقل عن القاضي عياض في تأويل الحديث أن الإيمان عم بلاد هذه الأنهار، وأن الأجسام المتغذية بمائها صائرة إلى الجنة، ثم قال: والأصح أنها على ظاهرها، وأن لها مادة من الجنة.

    واحتج بحديث المعراج اهـ، وقال بعضهم: إن المراد بكون النيل والفرات من الجنة هو التشبيه لمائهما بماء الجنة في عذوبته وحسنه وبركته؛ أي: فوائده على طريق المبالغة، وهذا لا تكلف فيه إذا فسر به حديث أبي هريرة بأنها من الجنة، ولكن الاستعارة لا تظهر في روايات أحاديث المعراج إلا بتكلف، ولعل سبب ذلك روايتها بالمعنى، ويسهل الخطب على القول بأن حديث المعراج كان بيانًا لرؤيا منامية، أو مثالًا لمشاهدة روحية والله أعلم[1].

    [1] المنار ج22 (1921) ص260-262.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 554 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة