• الجواب عن مسألة حلق اللحى

    نريد الحكم في حلق اللحى، هل يحل شرعًا أم لا، وإذا كان يحل فهل الحديث الوارد في الموطأ الذي من ضمنه «اعْفُوا اللِّحَى وَقُصُّوا الشَّوَارب» صحيح أم لا، وإذا كان صحيحًا فما حجة من يحلقها من المسلمين بما فيهم من حَمَلَة الشريعة الإسلامية في جل الأقطار؟

    هذا المسألة وأمثالها مما سيأتي ليست دينيةً مما يعبد الله به فعلًا أو تركًا، وإنما هي من الأمور العادية المتعلقة بالزينة والتجمل والنظافة، وقد سميت في الأحاديث الواردة فيها سنن الفطرة، أي العادات المتعلقة بحسن الخلقة، ففي حديث أبي هريرة عند الجماعة (أحمد والشيخين وأصحاب السنن الأربعة) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ الاستحداد (أي حلق العانة)، الْخِتَانُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ»، وفي حديث عائشة مرفوعًا عند أحمد ومسلم والترمذي والنسائي: «عَشْرَةٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ» (أي الاستنجاء)، قال مصعب بن شيبة راويه: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.

    وورد في اللحية والشارب أخبار معللة بعلة أخرى، وهي مخالفة المشركين والمجوس، ففي حديث ابن عمر في الصحيحين ومسند أحمد مرفوعًا: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» زاد البخاري: وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته، فما فضل أخذه -أي قصه- وفي حديث أبي هريرة عند أحمد ومسلم: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ».

    وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام يحب مخالفة المشركين وموافقة أهل الكتاب، ثم صار بعد الهجرة يأمر بمخالفة أهل الكتاب حتى في الأمور الاجتماعية والعادية؛ لأن المسلمين كانوا في أول الإسلام مع المشركين في مكة فكان يحب أن يمتازوا عنهم، وكانوا بعد الهجرة مخالطين لأهل الكتاب فكان يحب أن يمتازوا عنهم، مثال ذلك أمره بصبغ الشيب، ففي حديث ابن عباس في الصحيحين وسنن أبي داود والنسائي: «إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ» وفي لفظ عنه للترمذي «غَيِّرُوا الشَّيْبَ وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ».

    والأمر في مثل هذه الأمور العادية ليس للوجوب الديني، والنهي عنها ليس للتحريم كما قال الإمام الطبري، والظاهر أن الأمر فيها للإرشاد الذي يتعلق بمنافع الدنيا ومصالحها كحديث: «كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ» رواه ابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة بسند صحيح وتتمته: «فَإِنَّهُ طَيِّبٌ مُبَارَكٌ» وعنه وعن غيره بأسانيد ضعيفة وتتمة أخرى، هذا ما يوافق أصولهم، والمشهور عند أكثر الفقهاء أن هذه الخصال كلها مستحبة إلا الختان، فقد قالوا بوجوبه للذكور، وقالت المالكية بوجوب إعفاء اللحية، وقال الجمهور باستحباب إرسال شعر الرأس وفرقه، واستحباب صبغ الشيب وخضابه لمخالفة الكفار كما ورد، فأما ما وصف بأنه من سنن الفطرة، فالغرض منه أن تكون الأمور الفطرية، أي أمور الخلقة على أحسن حال في حسن المنظر والنظافة والصحة، وأما ما ذكر لمخالفة أهل الملل فلأجل أن يكون للمسلمين مشخصات وعادات حسنة خاصة بهم من حيث هم أمة جديدة جعلها دينها إمامًا وقدوة لسائر أهل الملل في إصلاح أمور الدين والدنيا، وقد كان الفساد الديني والاجتماعي عامًّا في جميع الأمم بإجماع المؤرخين.

    أما قص الشارب -وأقل ما قال الفقهاء فيه أن تظهر الشفتان، وأكثره استئصاله ولو بحلقه- فحكمته ظهور الفم وجماله، ومراعاة الصحة والنظافة، فإن شعر الشاربين يعلق به الغبار ودسم الطعام وما فيه من جراثيم الأمراض، فإذا شرب صاحبه من إناء دخل شعره فيه، فيؤثر في الشراب كما يؤثر الشراب فيه، وقد يتعذر الإسراع بتنظيفه، كما يؤثر في الملاعق إذا أكل بها مائعًا، ولا يزال أكثر الناس يضطرون إلى الشرب من إناء واحد، والأكل من صحفة واحدة كأهل العصور القديمة، ولا يخفى ما يترتب على ذلك، وأما كون إعفاء اللحية من سنن الفطرة، فمعناه أنه زينة خص بها الرجل الذي هو أكمل من المرأة خلقًا، فامتاز به عليها كامتياز أكثر ذكور الحيوان على إناثها، ولم ترد مبالغة في إعفائها كما ورد في إحفاء الشارب، بل قال ابن السيد: حمل بعضهم قوله: «أَعْفُوا اللِّحَى» على الأخذ منها بإصلاح ما شذ منها طولًا وعرضًا، واستشهد بقول زهير: على آثار من ذهب العفاء وهو شاذ، وظاهر الرواية أن المراد به ترك حلقها كما كانت تفعل الأعاجم، أو قصها قصًّا يقرب من الحلق بحيث تزول هذه الزينة وما فيها من المهابة، قال الحافظ في شرح ما ذكرنا من زيادة البخاري في حديث ابن عمر المذكور آنفًا: الذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك، بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه، فقد قال الطبري: ذهب قوم إلى ظاهر الحديث فكرهوا تناول شيء من اللحية من طولها ومن عرضها، وقال قوم: إذا زاد على القبضة يؤخذ الزائد وذكر عنه الاستدلال بحديث ابن عمر وغيره، ثم قال: ثم حكى الطبري اختلافًا فيما يؤخذ من اللحية، هل له حد أم لا، فأسند عن جماعة الاقتصار على أخذ الذي يزيد منها على قدر الكف، وعن الحسن البصري أنه يؤخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش، وعن عطاء نحوه قال: وحمل هؤلاء النهي على منع ما كانت الأعاجم تفعله من قصها وتحفيفها، قال: وكره آخرون التعرض لها إلا في حج أو عمرة، وأسنده عن جماعة، واختار قول عطاء وقال: إن الرجل لو ترك لحيته لا يتعرض لها حتى فحش طولها وعرضها لعرض نفسه لمن يسخر به، واستدل بحديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها» وهذا أخرجه الترمذي، ونقل عن البخاري أنه قال في رواية عمر بن هارون: لا أعلم له حديثًا منكرًا إلا هذا، وقد ضعف عمر بن هارون مطلقًا جماعة، وقال عياض: يكره حلق اللحية وقصها وتحذيفها، وأما الأخذ من طولها وعرضها إذا عظمت فحسن، بل تكره الشهرة في تعظيمها، كما تكره في تقصيرها، وتعقبه الثوري بأنه خلاف ظاهر الخبر في توفيرها. اهـ المراد منه.

    وجملة القول أن حديث مالك في المسألة مؤيد بأخبار الصحيحين والسنن فهو صحيح، وأكثر العلماء على كراهة حلق اللحى وقصها، وترك الشارب إلى ستر الشفتين، والمسألة عادية دنيوية لا دينية تتزكى بها النفس لتكون أهلًا لجوار الله وثوابه في الآخرة كما قلنا، وإن كان فعلها بنية الاتباع وتقوية رابطة الأمة مما يثاب عليه كسائر العادات والمباحات التي تحسن فيها النية، ولكون هذه المسائل غير دينية لم يُعن المسلمون بالخضاب وصبغ الشعر، كما عنوا بإرسال اللحى مع صحة الأحاديث بالأمر به، وكونه زينة ومخالفة لأهل الكتاب، بل كرهه بعضهم وحرمه آخرون بالسواد، وقد صح أن أبا بكر كان يخضب بالحناء والكتم، وفي حديث أبي ذر عند أحمد وأصحاب السنن الأربعة وصححه الترمذي: «إِنَّ أَحْسَنَ مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ هَذَا الشَّيْبَ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ» والكتم (بوزن الجبل) نبات يمني صبغه أسود ضارب إلى الحمرة، نعم صرح به كثيرون باستحباب صبغ الشعر وخضابه مطلقًا، وبعضهم بما عدا السواد لحديث أمره صلى الله عليه وسلم بتغيير شيب أبي قحافة مع قوله: «وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ» ولأحاديث أخرى لا يصح منها شيء مرفوع، وقد سبق لنا تحقيق ذلك في المنار، وحديث: «وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ» لا يدل على تحريم السواد، ولكنه لم يستحسنه صلى الله عليه وسلم لشيخ بلغ من الكبر عتيًّا كأبي قحافة، وكان شعر رأسه ولحيته كالثغامة في بياضه -كما قال بعضهم- فالعلة ذوقية واضحة كما يأتي عن ابن شهاب قريبًا، وذكر الحافظ في الفتح أن الذين أجازوا الصبغ بالسواد تمسكوا بالأمر المطلق بتغييره مخالفة للأعاجم، ثم قال: وقد رخص فيه طائفة من السلف منهم سعد بن أبي وقاص وعقبة بن عامر والحسن والحسين وجرير وغير واحد -أي من الصحابة- واختاره ابن أبي عاصم في كتاب الخضاب له، وأجاب عن حديث ابن عباس عند أبي داود: «يَكُونُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِالسَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» بأنه إخبار عن قوم هذه صفتهم، وذكر عن ابن شهاب أنه قال: كنا نخضب بالسواد إذ كان الوجه جديدًا، فلما نغض الوجه والأسنان تركناه.

    وجملة القول: إن أكثر العلماء كرهوا الخضاب بالسواد، وجعل النووي الكراهة للتحريم، وهو كثير التشديد.

    وقد حقق ابن الأثير وغيره أن الخضاب بالحناء والكَتَم معًا يكون أسود، وقد صح استحسان النبي صلى الله عليه وسلم له قولًا وفعلًا إذ رأى من خضب به، وإن أبا بكر كان يخضب بهما معًا أو منفردين، وهل يعقل إذا صح أن سواد خضابه يضرب إلى الحمرة أن يكون السواد الحالك سببًا للحرمان من رائحة الجنة؟ أوليس الموافق لأصول الشريعة -إن صح هذا- أن نقول: إنه علامة لقوم من المبتدعة المجرمين في آخر الزمان يُحرمون الجنة بإجرامهم لا بخضابهم، كما جعل حلق الشعر علامة للخوارج، وإلا كان سعد بن أبي وقاص أحد العشرة وسيدا شباب أهل الجنة أول من يتناولهم هذا الوعيد الشديد؟ أوليس من علامة وضع الحديث ترتيب الثواب العظيم، أو العقاب الشديد فيه على التافه من العمل؟ وقد قال ابن الجوزي بأن هذا الحديث موضوع، وخطّأه من صححوه وحسنوه من حيث السند على أن فيه عبد الكريم غير منسوب، قيل: إن كان الجزري فقد روى عنه الشيخان، نُقول: ومنع ابن حبان الاحتجاج بما ينفرد به كهذا الحديث، وإن كان ابن أبي المخارق فضعيف، وقد اضطروا إلى تأويل الوعيد فيه بالتكلف.

    وأما قول السائل: إذا كان الحديث صحيحًا فما حجة من يحلق لحيته من المسلمين بما فيهم من حملة الشريعة، فجوابه أن المسلمين قد ترك الكثيرون منهم ما هو أعظم شأنًا من قص الشارب وإعفاء اللحية من السنن والآداب الإسلامية من دنيوية واجتماعية ودينية، وكثيرًا من الفرائض أيضًا، وقلَّما يحتجون لشيء من ذلك إلا إذا قال أو عمل به بعض شيوخهم في الفقه أو التصوف، وقد يقولون: إن جمهور علمائهم يقولون باستحبابه لا وجوبه مثلًا، والصواب أن كل قوم يعملون بما ألِفوا واعتادوا من هذه السنن، حتى إن بعض السلف تهاونوا في بعضها، ولأجل هذا توسعنا في المسألة بذكر سنة الخضاب التي لم يتعودها إلا القليل منهم منذ عصر السلف، فقد روي أن الإمام أحمد رأى رجلًا قد خضَّب لحيته، فقال: إني لأرى رجلًا قد أحيا ميتًا من السنن، وفرح به، وروي عنه في ذلك أقوال أخرى، ونضرب له مثلًا من المقابلة أعظم من هذا؛ لأنه في مسألة عملية تتعلق بعقيدة التوحيد، وهو ما ورد من حظر الصور والتماثيل والأمر بطمسها، وحظر تشريف القبور، ولا سيما قبور الصالحين واتخاذها مساجد ووضع السرج عليها، والأمر بتسوية القبور المشْرِفة المرتفعة عن الأرض بالتراب، كل ذلك صح في الأحاديث وعلته أنها من أعمال الشرك والوثنية التي سرت إلى أهل الكتاب من الوثنيين، ولكن المسلمين تركوا العناية بالتصوير والصور والتماثيل، حتى ما لا دخل له في الوثنية وأمور الدين بوجه من الوجوه، وإن كان من أهم منافع الدنيا ومصالحها كاللغة والحرب، وعنوا بمقابر الصالحين حتى اتخذوها مساجد، وشرفوها ورفعوا بنيانها، وحبسوا الأوقاف على عمرانها ووضع السرج والمصابيح عليها، وصاروا يشدون الرحال إليها ويطوفون بها تدينًا، فوقعوا في كل ما حرم الشرع بناءها وتعظيمها لأجله، والفقهاء يقرونهم على ذلك، والقضاة يحكمون بصحة أوقافهم، وهم يقرءون الأحاديث الصحيحة في لعن من فعل ذلك.

    أكبر أسباب تهاون المسلمين بأمور دينهم وآدابهم ومشخصاتهم الملية في أكثر البلاد أمران أحدهما- ترك العلماء فريضة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وثانيهما- عدم وجود حكومة إسلامية تحافظ على الشعائر الدينية، ومقومات الأمة ومشخصاتها الملية، ولذلك لا ترى مثل هذا التهاون في بلاد نجد وبلاد الأفغان، وكذا بلاد اليمن التي لم يتولّ الترك الحكم فيها، كجبال الزيدية، ولكن بعض هؤلاء المتدينين قد غلوا في دينهم حتى وقعوا في مثل ما أنكروا، وفيما هو شر منه كتحريم ما لم يحرم الله ورسوله، افتراء على الله، وقولًا عليه بغير علم، وتكفير المسلمين بما ليس كفرًا ولا محرمًا.

    وقد فتن أهل البلاد العثمانية والمصرية بتقليد الإفرنج والتشبه بهم كما هو معروف، ومن المجرب أن كثيرًا من الذين يتركون أزياءهم من المسلمين ويلبسون الزي الافرنجي يتهاونون بأمور الدين، ويتجرؤون على الفسق والفجور، وإن اختلاف الزي كان من أسباب ضعف الرابطة الملية والقومية، وقاعدة سد ذرائع الفساد ثابتة في شرعنا، ومن غيَّر زيه لأجل التوسل به إلى المعاصي كان تغييره معصية، ومن خاف على نفسه ذلك فليس له أن يقدم عليه، والذين لا يبالون بهذا إذا كان لعدم إذعان أنفسهم للأمر والنهي فليسوا على شيء من الدين، ولعل هذا ما كان يحذره بعض الفقهاء المشددين حتى في العادات، ولكن الجرأة على التحريم والتكفير للأشخاص المعينين خطر على صاحبه، أعظم من الخطر الذي يحذره وينكره الغلاة، فالإفراط في الدين كالتفريط فيه، كلاهما ينتهيان إلى الجناية عليه والإضاعة له، فنسأل الله الحفظ والسداد[1].

    [1] المنار ج22 (1921) ص437-442.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 564 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات