• التقليد والتلفيق فيه، وتقليد غير الأربعة

    في حاشية العلّامة الشيخ يوسف الصفتي المالكي على الشرح المسمى بالجواهر الزكية على ألفاظ العشماوية، للعلامة أحمد بن تركي المالكي في باب فرائض الوضوء ما نصه: (واعلم أنهم ذكروا للتقليد شروطًا، إلى أن قال: الثالث- أنه لا يلفق في العبادة، أما إن لفق كأن ترك المالكي الدلك مقلدًا لمذهب الشافعي ولم يبسمل لمذهب مالك فلا يجوز؛ لأن الصلاة حينئذٍ يمنعها الشافعي لفقد البسملة، ويمنعها مالك لفقد الدلك، ثم قال بعد ذلك: وما ذكروه من اشتراط عدم التلفيق رده سيدي محمد الصغير، وقال: المعتمد أنه لا يشترط ذلك، وحينئذٍ فيجوز مسح بعض الرأس على مذهب الشافعي، وفعل الصلاة على مذهب المالكية، وكذا الصور المتقدمة ونحوها، وهو سعةٌ ودين الله يسرٌ).

    فهل إذا اغتسل غسلًا واجبًا أو توضأ وضوءًا واجبًا مِن ماءٍ قليلٍ مستعملٍ في رفع حدثٍ مقلدًا لمذهب الإمام مالك، وترك الدَّلك مقلدًا لمذهب الإمام الشافعي، وترك النية مقلدًا لمذهب الإمام أبي حنيفة يكون غسله ووضوؤه صحيحًا مثل الصورتين المتقدمتين أم لا؟، وهل هناك فرقٌ؟ وهل يجوز التلفيق من مذاهب الأئمة الأربعة في قضيةٍ واحدةٍ كغسلٍ واجبٍ أو وضوءٍ واجبٍ أو تيمُّمٍ واجبٍ أو صلاةٍ واجبةٍ، وغير ذلك من العبادات، والمعاملات أم لا؟ وهل يجوز تقليد غير مذاهب الأئمة الأربعة كمذهب الإمام داود الظاهري، وأصحابه ومذهب الإمام أبي ثور، ومذهب الإمام الثَّوري، ومذهب الإمام إبراهيم النَّخعِي، ومذهب الإمام ابن أبي ليلى، ومذهب الإمام الأصم، ومذهب الإمام عبد الرحمن الأوزاعي، ومذهب الإمام إسحق بن راهويه، ومذهب الإمام حمَّاد بن أبي سليمان، ومذهب الإمام ابن المبارك، ومذهب الإمام الليث، ومذهب الإمام الحسن بن صالح، ومذهب الإمام الزهري، ومذهب الإمام زُفر، ومذهب الإمام محمد بن جرير الطبري، وغيرهم من الأئمة المجتهدين، ومذاهب الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم أجمعين في العبادات والمعاملات أم لا؟ وهل يجوز التلفيق من مذاهبهم في قضيةٍ واحدةٍ كغسلٍ واجبٍ أو وضوءٍ واجبٍ أو تيمُّمٍ واجبٍ أو صلاةٍ واجبةٍ، وغير ذلك من العبادات والمعاملات أم لا؟، تفضلوا بالجواب ولكم من الله عظيم الأجر والثواب، والسائل.
     

    إن أكثر أحكام العبادات مُجمعٌ عليها، معلومةٌ مِن الدين بالضرورة؛ لتواتُرها بالعمل، وشهرة النصوص فيها فلا تقليد فيها، ومنها ما ثبت في السنة على وجوهٍ أو بألفاظٍ مختلفةٍ كالتشهد في الصلاة، ودعاء الافتتاح، والوصل والفصل في الوتر وغيره، أو ثبت فعله تارة، وتركه أخرى كالقنوت في الصبح ورفع اليدين عند الركوع والقيام منه، ومن التشهد الأول، فأخذ بعض العلماء بهذا وبعضهم بذاك، والخَطب في هذا سهلٌ؛ إذ العمل بكل ما ثبت في السنة صحيحٌ، لا يضر العامل اختلاف الرواة، واعتماد الفقهاء لبعضها دون بعضٍ، وأما المسائل الاجتهادية التي وقع فيها الخلاف بين علماء المِلة للاختلاف في فهم النصوص أو مسالك العلة في الاجتهاد؛ فالواجب فيها اتباع قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 59] الآية.

    ولا خلاف بين أئمة الدين في وجوب هذا الرد، ولا في كون الرد إلى الله هو الرجوع في المسألة إلى كتابه، وكون الرد إلى الرسول هو الرجوع فيها إلى سنته، فمن وجد نصًّا مِن الكتاب أو السنة يرجح بعض قول العلماء المختلفين على بعضٍ وجب عليه اتباعه حتمًا، ولا يجوز له تركه إلى اجتهاد أحدٍ، وإلا أخذ بقول مَن ترجح عنده دليله إذا اطَّلع على تعارض أدلتهم، ومَن لم يكن أهلًا لذلك يستفتي فيما يعرض له، ويُشكل عليه مَن يثق بعلمه ودينه، سواء كان قد تلقى الفقه على مذهب زيد مِن الأئمة أو مذهب عمرٍو، فجميع الأئمة المشهورين ممن ذكرتم، ومَن لم تذكروا كأئمَّة آل البيت النبوي عليهم الرضوان والسلام على هدى من ربهم في تحري الحق باجتهادهم، ولا يضره اختلاف مذاهب المفتين، والمفيدين، وإن أدى في بعض المسائل إلى التلفيق الذي اختلف المقلدون في جوازه، فإن التلفيق بهذه الصفة كان شائعًا في عامة السلف؛ إذ لم يكن أحد من عوامهم يلتزم العمل باجتهاد فقيهٍ معيَّنٍ، ولا بروايته، على أن للتلفيق صورة لا يفتي بها عالمٌ، وهي التي أطلق بعضهم منع جواز التلفيق لأجلها؛ لأنها ضرْبٌ من التلاعب بالدين اتباعًا للهوى، أو تتبُّعًا للرخص، وهي أن يأتي المقلد بعملٍ لا دليل عليه مِن كتابٍ، ولا سنة، ولا إجماعٍ، ولا قياسٍ صحيحٍ، ولم يقل به أحدٌ من الأئمة المجتهدين، بل ركَّبه هذا المتلاعب مِن عدة أقوالٍ اجتهاديةٍ على النحو الذي ذكره السائل، وقد مثَّل له بعضهم بمَن يتزوج بامرأةٍ بالتعاقد معها بغير وليٍّ اتباعًا لأبي حنيفة، وغير شهودٍ تقليدًا لمالك مع عدم إشهار الزواج، وإعلانه الذي يستغني به مالك عن الشهود، ومنعوا تتبع الرخص أيضًا فيما لا تلفيق فيه، وهذا المبلغ حقٌّ ظاهرٌ في الرخص الاجتهادية، فإن للعلماء هفواتٍ لا يؤاخَذون عليها، وليس مِن التقليد المباح تتبعها، والعمل بها، وأما الرخص الثابتة بالكتاب والسنة فلا حرج في تتبعها، ولكن لا تُجعل كالعزائم في المواظبة عليها.

    وأما سبب ما اشتهر بين مقلدة المتأخرين من وجوب حصر التقليد في مذاهب الفقهاء الأربعة فهو أنها قد دُونت، واتسع فيها التخريج والتفريع؛ فصارت كافيةً للناس، فليس في هذا غضٌّ من مقام علماء الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من المجتهدين، ولكن يشاركها فيما ذكروا مذاهب أئمة أهل البيت الذين يسند إليهم فقه الزيدية، والإمامية من الشيعة.

    وهذا لا يمنع الأخذ بقول سائر علماء السلف التي يرويها عنهم المحدثون، والفقهاء في كتبهم المعتمدة بشرطه الذي يجوز به الأخذ بقول أحد الأربعة، وأئمة العترة الطاهرة.

    وقد فصلنا القول في بطلان التقليد، ومضاره والتلفيق في مقالات المصلح والمقلد التي جُردت من المنار وطُبعت في كتابٍ مستقلٍّ، وفي غيرها من مجلدات المنار، فليراجعها السائل إن شاء التوسع في هذه المسألة[1].

    [1] المنار ج23 (1922) ص99-101.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 573 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة