• شرب الدخان

    ضمَّني وجماعة من الأصحاب مجلسٌ جرى فيه البحث في شرب الدخان (التتن)، واستمر الجدال ساعاتٍ ولم يقدر أحد الفريقين أن يقنع الآخر برأيه... ولا عجب لسؤالنا؛ لأن علماءنا وتعصبهم لا يقفون عند حدٍّ، واحد يجوّز، والثاني يحرّم، ولا ندري أي الصواب لنأخذ به، واسترضى الجميع أن نرسل إليك هذا السؤال لترشدنا من فنون علومك وآرائك الحرة الناضجة، وتبين لنا الخطأ من الصواب؛ لنعتمد عليه، والله يحفظك.
     

    اعلم أولًا أن التحريم والتحليل تشريعٌ، وهو حق الله تعالى وحده، فمَن استباح لنفسه أن يحرم على عباد الله تعالى شيئًا بغير حجة شرعية عن الله ورسوله فقد افترى على الله، وادعى الربوبية معه، ومن أطاعه وتبعه في ذلك يكون قد اتخذه ربًّا؛ كما ورد في الحديث تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31].

    وقد بيّنا هذه المسائل مِرَارًا، وآخر تفصيل لنا فيها تفسير آية محرمات الطعام.

    وثانيًا: أن الأصل في الانتفاع بما خلقه الله لنا في هذه الأرض الحل كما تدل عليه الآيات القرآنية؛ فلا يحرم شيءٌ منها إلا بنصٍّ عن الله ورسوله صحيح الدلالة باللفظ أو الفحوى، ولا نص في هذا الدخان المسئول عنه بعينه، بل هو داخلٌ في الإباحة العامة لكل ما خلقه الله لنا من هذه الأرض، إلا إذا ثبت ضرره في الجسم أو العقل كالحشيشة والأفيون، والحقن بالمورفين؛ فحينئذ يظهر القول بتحريمه كما أفتينا من قبل، وفاقًا لبعض الفقهاء، وفي الحديث الصحيح: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» فإذا ثبت بشهادة الأطباء أنه يضر كل مَن شربه ضررًا ذا شأنٍ، فالقول بتحريمه على الإطلاق وجيهٌ، وإذا كان يضر بعض الناس المصدورين دون بعضٍ، فهو محرمٌ على مَن يضره، سواء عُلم ذلك بقول الطبيب أو بالتجرِبة والاختبار، وإلا فلا، ويستدل بعض الناس على تحريمه بقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157].

    بناءً على تفسير الخبيث بالطبَعي، وهو ما تعافه الطباع السليمة، وقيل العرب.

    والصواب أنه الخبث المعنوي الشرعي كالربا، والخيانة، والغلول كما فصلناه في تفسير آية محرمات الطعام أيضًا، وإلا فإن الثوم والبصل من الخبائث قطعًا وهما غير محرمين، ونحمد الله أن حمانا من هذا الدخان، وننصح لكل مَن لم يُبتلَ به أن يجتنب تقليد الناس بشربه، ولكل مَن ابتُلي به أن يتركه إذا قدر إن كان يرى بالتجربة أنه لا يضره، ولعله ولا يخلو من مظنة الضرر التي تقتضي كراهة التنزيه بما فيه من السم المسمى بالنيكوتين، وهذا الضرر ظاهر لا محالة في أصحاب الأمراض الصدرية، وربما كان سببًا لها في المستعدين، والله أعلم[1].

    [1] المنار ج23 (1922) ص191-192.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 576 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات