• تعريف المنطق وعدم اطراد ما ذكروه من غايته

    إن مؤلفي فن المنطق اتفقوا في تعريفه بأنه (آله قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر) واتفقوا فيما أعلم أن واضع هذا الفن الحكماء اليونانيون، وكوْنهم قائلين بقدم العالم على قدم، فلا يخلو من أمورٍ، إما عدم صحة التعريف، وإما ادَّعاء أن الواضعين لم يراعوها، وإما كونهم محقين في ذلك.

    على كلٍّ أزيلوا الإشكال، كما جعلكم الله تعالى كهفًا ومنارًا[1].

    إننا نجزم بأن ما ذكروه في تعريف المنطق لا يصح باطرادٍ، وأن حكماء اليونان وغيرهم ممن كانوا يحاولون إثبات العلوم العقلية بأنواعها حتى الإلهيات لم يستطيعوا بتطبيقها على قواعد المنطق مراعاة أحكامه لا في التصورات، ولا في التصديقات، فتحديد الكليات التي يؤلَّف منها الحد، والرسم في التصورات، ومقدمات القياس، ولا سيما البرهان الذي عليه مدار صحة النتيجة في التصديقات، كلاهما من أعسر الأمور وأبعدها عن المنال، وليس خطؤهم محصورًا في قولهم بقدم العالم، بل هو غير محصور، على أنهم لم يكونوا يدَّعو أن كل مسألة من مسائل فلسفتهم، وقضية من قضايا علومهم من اليقينيات الثابتة بالبرهان، وأكثر ما كان يفيدهم المنطق في المناظرات، التي تقوم فيها المسلَّمات مقام اليقينيات.

    وبيان هذا بالتفصيل وتوضيحه بالأمثلة لا يتم إلا في مقالٍ طويلٍ، وحسبك أن تتأمل اليقينيات الست لتعلم ما يقع فيها من الغلط والتلبيس.

    ومثل علم المنطق في هذا علم الشرع، فإنك ترى الخطأ في تطبيق الأحكام الشرعية على الوقائع العملية كثيرًا جدًّا، وترى فهم الناس للأحكام يختلف باختلاف معارفهم، وأخلاقهم، وعاداتهم، والعرف العام عندهم، حتى إنهم ليستدلون بالحكم على ضد ما يدل عليه أحيانًا، كما هو شأنهم في البدع، فما من بدعة فشت إلا وأهلها يستدلون عليها بأدلة تشبه الشرعية، وما هي بشرعيةٍ، هذا شأنهم في نصوص الشرع الواضحة، ولم تصرفهم عنها قواعد أئمة العلماء الذين يدَّعون تقليدهم، كما بيناه في الفتوى الثانية من فتاوى المجلد الثاني والعشرين[2].

    [1] المنار ج23 (1922) ص336-337.

    2) المنار ج23 (1921) ص104-120. أنظر أعلاه فتوى رقم 552.
     

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 587 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات