• إسلام الأعاجم عامة والترك خاصة

    سؤالي عن الأتراك والأعاجم: ما هم؟!، هل هم إسلام كما يزعمون؟!، وهل هم صادقون سرًّا وجهرًا؟!، أم هم كما يزعم البعض في هذه الأيام أن الأتراك خصوصًا غير إسلام لا سمح الله بذلك؟!، وهذا خلاف ما نعهد بهم، وكيف نسمع في هذه الأيام عنهم مثل هذا من رجال كنا نَعُدُّهم قوامًا للأمة، ومنهم الفاضل... قال في كتاب مخصوص لي بهذا الأمر: إن القوم هم أعداء الإسلام، وإنه يجب أن لا يهتم بهم، ولا مصطفى باشا، وقوله عنه: هذا التتاري، وإنهم -أي الأتراك- هم سبب انحطاط الإسلام إلى هذه الحالة، وإن السلطان الفاتح عقد محالفة مع فرديناند على قتل عرب الأندلس، وإنه ربط البحور، وسدّ المنافذ بوجه مَن ينجدهم من إخوانهم حتى قُتلوا جميعًا... إلخ، وقوله عن السلطان عبد المجيد، ومحمود أطلقوا يد الإباحة فيما يخالف الدين بدل أن يمنعوا، وتغييرهم الزي إلى الإفرنجي الذي يعيق المسلم عن الوضوء من ضيق اللباس -الله أكبر لذلك- وقوله عن السلطان سليم، السلطان الأحمر الأول واغتياله للخلافة من العباسي الفاطمي بمصر، وبقره بطون الأمهات لقتل الجنين لأجل أن لا يعود يطالبه بالخلافة الوهمية، نعوذ بالله من هذه الفعال التي كانت عنا بطي الغيب إن كانت صدقًا، وكيف يدعوه المسلمون أمير المؤمنين وخليفة الله في أرضه؟! ويزعم في الطورانيين أن باكورة أعمالهم قتل العرب، وتبديل القرآن، وأنهم نزلوا في الحرب لأجل هذا، ويحلف اليمين على ذلك، وأن علماء الإسلام يعرفون هذا كله، كما يعرفون دينهم الشريف، وسكتوا عن المرض حتى وصلنا لما نحن عليه، ومثل هذا كثير من أعمالهم، وحيث إني على غير علم بشيءٍ من هذا كله قبل الآن، أتيت لكي أستنير من مناركم الشريف؛ لكي يهدأ روعي من وخز الضمير لهذه الأخبار، عسى أن تلبّوا تلميذكم من كرمكم الذي وهبكم إياه رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد النبي الكريم وآله وصحبه الطاهرين.[1]

    اعلم أيها المسلم المخلص الغيور أن إسلام شعوب الأعاجم من الترك، والفرس، والأفغان، والتتار والهند، والصين، والملاو وغيرهم كإسلام الشعب العربي، وأن العرب في هذا العصر لا يستطيعون أن يفضلوا أنفسهم على الترك، ولا على غيرهم من العجم في علم من علوم الإسلام، ولا عمل يعتز به المسلمون، بل يعتقد أكثر المسلمين من العرب والعجم أن الأمر بالعكس؛ حتى إنني سمعت أحد أمراء الفرس وفي أوربة يقول: لولا مصطفى كمال باشا لكان كل مسلم في الأرض ذليلًا، ولكن العرب يفضلون جميع الأعاجم بما يعترف لهم به كل مسلم منهم، وهو كوْن خاتم رسل الله صلى الله عليه وسلم والسواد الأعظم من أصحابه رضي الله عنهم من صميم العرب، وهم الذين أقاموا دين الله كما أنزله، وهدى الله بهم وبتابعيهم وتابعي تابعيهم مَن هدى من الأعاجم، الذين شاركوا العرب بعد ذلك في تدوين علوم الإسلام وفنون لغته، ثم في إقامة مُلكه، وإعلاء كلمته.

    وأما فتنة التنازع على المُلك والخلافة وما تبعها من سفك الدماء، فقد كان العرب هم الذين أوقدوا نارها أولًا، وزلوا بالإمامة الكبرى عن صراطها الذي وضعها فيه كتاب الله تعالى وهَدي رسوله صلى الله عليه وسلم وهو اختيار أهل الحل والعقد لمَن يرون فيه الكفاءة والكفاية بالعلم والعمل من زعماء قريش، وجعلوها ملكًا عَضوضًا، مدارُهُ على قوة العصبية، ثم أهملوا وقصروا في إحكام قوة العصبية، واتَّكل بعض الخلفاء من العباسيين على عصبية الفرس، ثم تحولوا عنهم إلى عصبية الترك، حتى آل أمرُهم إلى إضاعة الخلافة والملك، فإذا كان لبعض سلاطين الترك سيئات فيما رأوه خطًا أو صوابًا معززًا لملكهم فقد سبقهم العرب إلى مثل ذلك في حصار الأمويين لمكة وهدْمهم للكعبة المشرفة، واستباحتهم للمدينة المنورة، وفي ظلمهم وظلم العباسيين من بعدهم لآل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم وسفْك دماء الكثير منهم ومن غيرهم بالشبهة، وتهم السياسة.

    وأما البدع في الدين والفسق عنه فقد فشيا في جميع الشعوب الإسلامية في القديم والحديث؛ حتى صار المتشدد في ترْكها، وإنكارها على أصحابها يُرمَى بالابتداع، كما يفعل أهل مكة، وأهل الشام وغيرهم؛ إذ يسمون أهل نجد مبتدعة، ويسمون أنفسهم سُنِّيَّة! ثم اعلم أيها السائل المخلص أن سبب طعن بعض العرب في الترك في هذه السنين الأخيرة هو السياسة، وأن الذي أثار هذه الفتنة جمعية الاتحاد والترقي التي فُتنت بالعصبية الجنسية الطورانية أشد فتنة، ولا شك عندي في أن بعض زعمائها من الملاحدة، ولا في أنهم حاربوا الإسلام، وأرادوا إضعاف سلطانه الروحي؛ تمهيدًا لإزالة سلطانه السياسي، ولا في أنهم هم الذين نشروا تلك الكتب الكثيرة المشتملة على الطعن فيه، وصد الترك عنه، وأن في متفرنجي الترك كثيرًا من المرتدين، الذين راجت هذه الدعوة فيهم، وقد بينا هذا من قبل لإنكار المنكر، والأمر بالمعروف، والتحذير من عواقب هذه الفتنة؛ لئلا تكون هي القاضية على الدولة، التي هي على ضعفها أقوى سياج لهذه الملة (الإسلامية)، وقد وقع ما توقعناه من شرها، وحذَّرْنا التركَ منه مشافهةً لكبرائهم في الآستانة وكتابةً في جرائدها وفي المنار.

    ولولا هذه الفتنة التي اصطلى بنارها ألوف من شبان العرب، وكهولهم في الآستانة، ثم في غيرها، وما كان من فظائع جمال باشا في سورية بسببها لما وقعت الثورة الحجازية، وكانت أحد أسباب ما وقع من المصائب على الأمة الإسلامية، التي كان ضررها على العرب أشد من ضررها على الترك.

    ثم أخبرك مع هذا بأن في شبان العرب الذين ناهضوا الترك، وعادوهم ملاحدة كمَن ذكرنا من الترك؛ لأنهم تعلموا، وتربوا في مدارس واحدة، ولما نصحنا لمَن لجأ منهم إلى الحجاز في أثناء الثورة بأن يحترموا بيت الله، ولا يُظهروا شيئًا من إلحادهم فيه غضب علينا ملك الحجاز، ومنع المنار من الحجاز، كما بينا ذلك من قبل.

    ثم أخبرك أن الاتحاديين قد عرفوا بعد الانكسار في الحرب العامة خطأهم، واعترف لي مَن لَقِيتُ في أوربة منهم بذلك، وهم يجتهدون الآن في إحياء الجامعة الإسلامية لا يختلف في ذلك المتدين منهم بالفعل مع غيره، حتى إن جمال باشا -وهو أشدهم إجرامًا، وعصبية طورانية- قد خدم الدولة الأفغانية الإسلامية الفتاة أجلّ خدمة، كما أخبرك أن جمهور الترك كانوا قد سخطوا عليهم في أثناء الحرب، وأظهروا الطعن فيهم، وعزموا على الثورة عليهم، والتنكيل بهم، وأكد لي بعض المؤمنين منهم في أوربة أن الدولة لو انتصرت لقامت فيها ثورة داخلية بسبب حنق السواد الأعظم من الترك عليهم.

    وجملة القول أن الترك كالعرب، السواد الأعظم منهما مسلمون مقلدون، وفي كُلٍّ منهما علماء مستقلون ومتمذهبون، وفي كل منهما ملاحدة ومبتدعون، وصالحون وفاسقون، وأن الترك خير من العرب استمساكًا بما يجب من المحافظة على الاستقلال والسلطان القومي والعمل للجامعة الإسلامية، وأنه لا فائدة لأحد من الفريقين في الطعن بالآخر، والبحث عن عيوبه القديمة والجديدة الآن، بل ذلك ضارّ بهما، ومفيد لأعدائهما، فلا حاجة إذًا إلى البحث فيما كان من تقصير السلطان محمد الفاتح في إغاثة مسلمي الأندلس، والدفاع عنهم، أو مساعدته على القضاء عليهم، ولا في قسوة حَجَّاج الترك السلطان سليم[2]، وإسرافه في سفك الدماء، على أنه أعز دولة الإسلام، وأذل أعداءها؛ فكان خيرًا من حَجَّاجنا، وأما الطعن في دين السلطان محمود بتغييره للزي العثماني الرسمي، واستبداله الزي الإفرنجي به فهو ظلم مبين؛ فإن الزي العثماني السابق لم يكن زيًّا دينيًّا، والدين لم يأمر بالتزام زي خاص، وما صَحَّ من نهينا عن التشبه بغيرنا يُراد به أن الإسلام قد جعلنا أئمة متبوعين لا تابعين لغيرنا، ولو في المباح كالزي، ولكن التشبه لا يتحقق إلا بالقصد والمحاكاة التي يشتبه فيها المتشبه بالمتشبَّه به فيما فيه التشبه، ولا يسهل تطبيق ذلك على عمل السلطان محمود، الذي أدخل به الإصلاح العسكري الجديد في الدولة، فأنقذها من فوضى الإنكشارية التي كادت تقضي عليها، ولم يكن الزي الذي اختاره عائقًا عن الصلاة، وإنما يعوق عنها ما أُحدث بعد ذلك من السراويلات الحازقة (الضاغطة) كالتي يلبَسها ضباط الشرطة (البوليس) بمصر، وقد فصلنا القول في اللباس والتشبه من قبلُ.

    وأما ادعاء أن السلطان محمود والسلطان عبد المجيد أباحا مخالفة الدين، فلا ندري من أين جاء بها ذلك الذي كتبها إليكم، وكان ينبغي لكم أن تسألوه عن حجته عليها، فالمشهور عنهما خلاف ذلك، حتى إن الترك يضربون المثل بشدة تديُّن عبد المجيد بكل ما يفهم به الدين جماهير المسلمين من الترك والعرب، على أن هذا الوقت لا يفيدنا فيه أن نبعثر القبور، ونحصِّل ما في الصدور، ولا لأجل تمحيص التاريخ في هذا الموضوع، فكيف إذا كان الغرض من البحث إثارة العداوة بين أكبر شعوب المسلمين، وهو أقرب الطرق لاستذلال الأجنبي لهما جميعًا، فهذا ما نراه من الجواب موافقًا لمقتضى الحال، والسلام على مَنِ اتبع الهُدى، ورجح الحق على الهوى.

    [1] المنار ج23 (1922) ص431-435.

    2) هذه الجملة كذا في الأصل.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 592 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات