• العلاج بالكنياك

    هل يجوز لعالم يقتدي به أهل الإسلام أن يعلن جهارًا للخاص والعام بأنه أعلج (لعله عالج) أمه السيدة المسكينة بالخمر الخبيثة اللعينة (الكُنْيَاك وهو البراندي).
     

    لا يجوز القول بأنه عالج أمه ولا غيرها بشرب الخمر مطلقًا أو شرب نوع معين آخر منه كالكونياك؛ لأنه يُفضي إلى الاقتداء به. وأخشى أن يكون في سؤالكم تلبيس بأن تعدوا بعض الأدوية التي يستعان على تحضيرها وتركيبها بالسبيرتو خمرًا، وتجعلوا حكمها وحكم الشراب المسكر واحدًا، فأحببت التذكير بذلك. خلاصة وجيزة في أصل موضوع هذه الفتوى- إن أصل الخلاف بيننا وبين أخينا الشيخ محمد شفيق الرحمن كان في مسألة الطلاء المعروف الذي تطلى به جدران البيوت وخشبها، فتكون صقيلة جميلة لا تؤثر فيها الرطوبات والأقذار.

    كما تؤثر في الأجسام ذات المسام الواسعة فتطول مدتها نظيفة، ويسهل تنظيف ما يصيبها من الوسخ. أفتى الأستاذ بنجاسة هذا الطلاء وبتحريم طلي جدران المساجد وخشبها به، معللًا ذلك بأنه يُعَالَجُ بالمادة المعروفة بالسبيرتو وبالكحول، مدعيًا أنها خمر، وأن كل خمر نجسة، وكل ما يدخل فيه شيء من السبيرتو نجس وإن لم يكن شرابًا ألبتة كطلاء البيوت، وقد سألنا بعضُ إخواننا مسلمي الهند عن هذه الفتوى فأفتينا بأنها خطأ، وأقمنا على ذلك من الدلائل ما رآه القراء في الجزء التاسع من المجلد الثالث والعشرين[1].

    وقد جاء بعد سنة أو أكثر يحاول إبطال بعض تلك الدلائل وإثبات فتواه من وراء البحث في تحريم شرب الخمر والتداوي بها... فأرسل إلينا هذه المسائل فرأينا بعد أن أجبنا عنها بالإيجاز أن نوضح الموضوع بخلاصة مختصرة مفيدة لمن عقلها مفصلة، فنقول وبالله التوفيق:

    1- إن الله تعالى قد حرم الخمر لأنها مسكرة؛ ولأن للسكر مضار كثيرة بيَّن الكتاب أهمها إجمالًا وتفصيلًا. وإنما حرمها ألبتة في آخر مدة تبليغ الرسالة ومهَّد لذلك تمهيدًا بعد تمهيد لما كان من افتتان الناس بها، واقتضاء الحكمة التدريج في تحريمها. ومن المقرَّر عند الفقهاء أن علة تحريمها إسكارها وأن السكر هو المحرم لذاته. ولكن لما كان شرب القليل غير المسكر مدعاة لشرب الكثير وذريعة له حرم القليل أيضًا مطلقًا على ما في هذا من الخلاف المعروف.

    2- لم يقم دليل صحيح على نجاسة الخمر، ولا على كون نجاستها سببًا لتحريمها، فإنها ليست من النجاسات والأقذار في عرف أهل لغة الشرع؛ بل كان العرب يعدونها من الطيبات وكانوا يسمونها الطيبة (بالتخفيف) ويقولون في أصفاها «طيبة الخمر» ولو كانت من النجاسات في عرفهم أو في عرف الشارع لجعل ذلك أول وسائل التدريج في تحريمها بأن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل تحريمها بأن يغسل كل عضو أو إناء أو ثوب تصيبه الخمر، ولم يرد أنه أمر بذلك قبل التحريم ولا بعده، ولو أمر بذلك لتوفرت الدواعي على نقله بالتواتر والاستفاضة، وقد كانت الحاجة إليه شديدة عند نزول آية المائدة وإهراق المسلمين لما كان عندهم من الخمر، حتى كان تجري في شوارع المدينة كالسيل فكان الناس عرضة لإصابة أبدانهم وثيابهم بشيء منها عند إهراقها، وفي أثناء السير في الشوارع التي كانت تجري فيها.

    3- من المعلوم بالاختبار وبالنصوص أن من الناس من يميل بطبعه إلى المبالغة والإفراط في الدين وفي غيره، ومنهم من يميل إلى الإغماص والتفريط، ومنهم من يميل إلى الاعتدال، ولكل من هذه الحالات الثلاث درجات، فالمبالغة في اجتناب المحظورات تقتضي اجتناب المشتبهات تورعًا واحتياطًا، وهذا محمود ومندوب شرعًا، وقد تُفْضِي إلى اجتناب المباحات تَحَرُّجًا وتأثمًا فتكون غلوًّا مذمومًا، والإغماص فيها يدعو إلى الخوض في الشبهات، وقد ينتهي إلى الاحتيال على ارتكاب المحرمات، أو تأويل النصوص الواضحات، أو معارضتها بالأقيسة والتعليلات الباطلات، ويكثر هذا التفريط في حشوية المتفقهة الجامدين، وذاك الغلو في المتصوفة الجاهلين.

    والتحقيق أن كل حيلة تخالف نص كلام الله تعالى أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم أو تُفْضِي إلى فَوَات ما شرع له الحكم من مصلحة أو دفع مفسدة -فهي باطلة. وكذا كل تأويل وقياس يخالف المتبادر من النصوص من غير حجة شرعية أو ينافي غرض الشرع وحكمته. وأن المذهب الوسط الحق هو المحافظة على النص، وما علم من قصد الشرع وحكمته منه جميعًا، وهو في مسألة الخمر أن لا نشرب شرابًا مسكرًا وأن لا نتوسل إلى السكر بالتداوي، ولا بالأخذ بظواهر فلسفة الذين قالوا: إن الخمر المنهي عنها لذاتها لا تكون إلا من عصير العنب، فهي التي تحرم منها النقطة الواحدة، وما عداها من المُسْكِرَات لا يحرم منه إلا القدر المسكر أو الحَسْوَة الأخيرة التي يحصل بها السُّكْر -وأن لا نغلو فنحرم استعمال الأدوية والأعطار والأدوية والأدهان والأصبغة والأطلية التي يدخل في صنعها أو تحضيرها المادة التي عُلِمَ مِن فن الكيمياء الحديث أنها توجد في تركيب الخمر، وهي علة الإسكار فيها، وإن لم تكن هذه الأشياء أشربة تُتَّخَذ للسكر أو يتوسل بها إليه، فإن هذا غلوٌّ لا يُطَالب دين الفطرة والحنيفية السمحة به أحدًا -فهذا دين عام للبدو والحضر، وقد ظهر في أمة كانت أمية فهو سهل لا تعقيد فيه، ولا عُسْرَ ولا حَرَجَ. أَوَلَيْسَ من الغلو والحرج والعسر وقلب الحقائق أن تحرم على أهله منافع كثيرة في طيبهم وطبهم وجراحتهم وصيدلتهم وصناعاتهم وعمرانهم بحشرها كلها في تحريم السكر وشرب الخمر وهي ليست منها مقصدًا ولا وسيلة؟

    4- إن مَن استقرأ جميع ما في القرآن الحكيم من الآيات المُنَزَّلَة في الطهارة وجميع ما في دواوين السنة السنية من الأحاديث الواردة فيها يجد خلاصتها أن النظافة مشروعة في هذا الدين، وأن الله تعالى يحب المتطهرين من الأقذار الحسية، كما يحب التوابين عن المعاصي وهي الأقذار المعنوية، وأن الطهارة قسمان: إيجابية كالوضوء والغسل. وسلبية وهي التنزه عن التضمخ بالأقذار، وما يترتب عليه من إزالة ما يطرأ منها على البدن والثوب والمكان، ويكره الغلو والتنطع فيها كغيرها. ولا يوجد في هذه النصوص دليل قطعي على كونها شرطًا لصحة الصلاة وفاقًا لمذهب الإمام مالك، وأطال الشوكاني في تحقيق إثباته في نيل الأوطار.

    والنجس الحسي في اللغة هو القذر الشديد القذارة الخبيث الرائحة وأشده غائط الإنسان وبوله. ولم يرد في الكتاب ولا في السنة بيان لأنواع النجاسات والأمر بغسلها بل تركها الشارع إلى عرف اللغة. وقد صحَّ مع ذلك أنه صلى الله عليه وسلم أمر بنضح بول الغلام بالماء.

    ولذلك قال بعضهم بعدم نجاسته شرعًا مع العلم بأنه نجس لغة، وغلط بعض الفقهاء في تعليل الأمر بنضحه بأنه رقيق أي ضعيف القذارة، وهذا مخالف للحس؛ ولكن الحق أن الطهارة الشرعية لا يُشْتَرَطُ فيها زوال العين والأثر ألبتة.

    وقد شدَّد بعض الفقهاء كالشافعية في تطهير النجاسات حتى جعلوها كتطهير الأطباء للمواد السامة وجراثيم الأمراض والأوبئة، وتساهل بعضهم عملًا بظواهر النصوص الواردة في نضح بول الغلام، ودم الحيض، والصلاة في النعال، والاكتفاء بدلكها بالأرض إذا رُؤِيَ عليها عين النجاسة، وإفتاء النبي صلى الله عليه وسلم بعض النساء بأن الأرض الطاهرة تُطَهِّرُ الذيلَ الذي يجر على النجاسة، كما شدَّد بعضهم في جعل التطهير محصورًا بالماء، ويَسَّرَ بعضُهم فجعل مدار التطهير على إزالة القذارة ولو بالصقل أو انقلاب العين، وهذا هو اللائق بدين الفطرة ويُسْره، وليس في العمل به مخالفة لنص الشارع، ولا للمراد من الطهارة، وليس تطهير الأبدان والأشياء من الأقذار أمرًا تعبديًّا؛ ولذلك لم يشترط أحد في صحته وإجرائه النية.

    وأما هذه الشدة والعسر والحرج الذي ذهب إليه بعض المعاصرين كالأستاذ شفيق الرحمن في مسألتنا فهو قلب للحقائق؛ لأنه يجعل الطيب قذرًا، وأشد المطهرات إزالة للنجاسة نجسًا، فإن الأعطار الذكية التي هي من مستحضرات السبيرتو، قد عمت الأمصار والأقطار، ويستعملها أكثر المسلمين كغيرهم في هذه الديار، لرخص ثمنها، ولأنها تستعمل للتطيب وللتطهير الحسي كإزالة الأقذار، والتطهير الطبي من جراثيم الأوبئة والأمراض، فبأي حجة تقلبون حقائق اللغة التي جاء بها الدين، وتقلبون مقاصد الشرع الذي يحب للمؤمنين الطهارة والطيب، ويكره لهم النجاسة والخبث، فتجعلون الأعطار الذكية المطهرة من النجاسات التي أوجب الله تطهيرها؟ وهي ليست أشربة مسكرة ولا ذريعة للسكر، ثم إنكم تقرءون في كتب فقهائكم ما لا نحب إعادة ذكره من تعريف الخمر، والفلسفة في القدر المسكر مما ذكرناه في الفتوى الأولى؟ 5- إن هذا السبيرتو مما عمت به البلوى في أكثر بلاد الحضارة لما تقدمت الإشارة إليه من أنواع استعماله في الوقود والتطهير والصيدلة والطب والصناعة، حتى صار بعضه ضروريًّا وبعضها حَاجِيًّا أو تحسينيًّا.

    ولو حكم على الناس في مصر مثلًا بترك كل ما يدخل فيه السبيرتو، لوقع الناس في حرج عظيم وتعطلت أعمال ذات منافع عظيمة، وإننا نبين هنا حقيقة الضرورة والاضطرار وعموم البلوى بأقوال أشهر العلماء الأعلام من المذاهب المشهورة المتبعة.

    الاضطرار والضرورة المبيحة للمحظور: الاضطرار افتعال من الضرر أو الضرورة، فهو وقوع الضرورة أو تكلف ما يضر بِمُلْجِئٍ يُلْجِئ إليه، وقد حققنا هذا وبينا الضرورة الشرعية في تفسير: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: 3] من أوائل سورة المائدة بالتفصيل (ص[167]و[168] ج[6] تفسير) وقد اطلعنا أخيرًا على كتاب أحكام القرآن للإمام أبي بكر أحمد ابن علي الرازي المشهور بالجصاص المتوفى سنة [370] وهو من أئمة الحنفية، فألفيناه قد شرح مسألة الاضطرار شرحًا تامًّا، فرأينا أن ننقل هنا ما يتعلق بموضوعنا منه، وهو قوله (ص[126] ج[1]) المطبوع في الآستانة: قول الإمام الجصاص الحنفي: قال في باب ذكر الضرورة المبيحة لأكل الميتة من تفسير سورة البقرة ما نصه: «قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173] وقال في آية أخرى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119] وقال:﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 3] فقد ذكر الله تعالى الضرورة في هذه الآيات، وأطلق الإباحة في بعضها بوجود الضرورة من غير شرط ولا صفة وهو قوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ فاقتضى ذلك وجود الإباحة بوجود الضرورة في كل حال وجدت الضرورة فيها. اهـ.

    وبعد أن أطال في تفسير: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ واختلاف الشافعية مع الجمهور فيه، قال في أول ص [129] وما يليها ما نصه: «ومعنى الضرورة هاهنا هو خوف الضرر على نفسه أو بعض أعضائه بتركه الأكل، وقد انطوى تحته معنيان (أحدهما) أن يحصل في موضع لا يجد غير الميتة (والثاني) أن يكون غيرها موجودًا، ولكنه أكره على أكلها بوعيد يخاف منه تلف نفسه أو تلف بعض أعضائه، وكلا المعنيين مُرَادٌ بالآية عندنا لاحتمالهما، وقد روي عن مجاهد أنه تأولها على ضرورة الإكراه؛ ولأنه إذا كان المعنى في ضرورة الميتة ما يخاف على نفسه من الضرر في ترك تناوله، وذلك موجود في ضرورة الإكراه، وجب أن يكون حكمه حكمه.

    ولذلك قال أصحابنا فيمن أكره على أكل الميتة فلم يأكلها حتى قتل: كان عاصيًا لله، كمن اضطر إلى ميتة بأن عدم غيرها من المأكولات لم يأكل حتى مات، كان عاصيًا، كمن ترك الطعام والشراب وهو واجدهما حتى مات، فيموت عاصيًا لله بتركه الأكل؛ لأن أكل الميتة مباح فى حال الضرورة كسائر الأطعمة في غير حال الضرورة، والله أعلم.

    باب المضطر إلى شرب الخمر: «قال أبو بكر: وقد اختُلِفَ في المضطر إلى شرب الخمر، فقال سعيد بن جبير: المطيع المضطر إلى شرب الخمر يشربها، وهو قول أصحابنا جميعًا. وإنما يشرب منها مقدار ما يمسك به رمقه؛ إذ كان يَرُدُّ عطشه. وقال الحارث العكلي ومكحول: لا يشرب؛ لأنها لا تزيده إلا عطشًا، وقال مالك والشافعي: لا يشرب؛ لأنها لا تزيده إلا عطشًا وجوعًا. وقال الشافعي: ولأنها تذهب بالعقل، وقال مالك: إنما ذُكرت الضرورة في الميتة ولم تذكر في الخمر.

    قال أبو بكر في قول من قال: إنها لا تزيل ضرورة العطش والجوع: لا معنى له من وجهين (أحدهما) أنه معلوم من حالها أنها تمسك الرمق عند الضرورة، وتزيل العطش، ومن أهل الذمة فيما بلغنا من لا يشرب الماء دهرًا اكتفاء بشرب الخمر عنه.

    فقولهم في ذلك غير المعقول المعلوم من حال شاربها. (والوجه الآخر) أنه إن كان كذلك كان الواجب أن نُحِيلَ مسألة السائل عنها ونقول: إن الضرورة لا تقع إلى شرب الخمر. وأما قول الشافعي في ذهاب العقل فليس من مسألتنا في شيء؛ لأنه سئل عن القليل الذي لا يذهب العقل إذا اضطر إليه.

    وأما قول مالك: إن الضرورة إنما ذكرت في الميتة ولم تذكر في الخمر، فإنما في بعضها مذكورة في الميتة وما ذكر معها، وفي بعضها مذكورة في سائر المحرمات، وهو قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ وقد فصل لنا تحريم الخمر في مواضع من كتاب الله في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 219]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: 33]، وقال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90] وذلك يقتضي التحريم.

    والضرورة المذكورة في الآية منتظمة لسائر المحرمات، وذكره لها في الميتة وما عطف عليها غير مانع من اعتبار عموم الآية الأخرى في سائر المحرمات، ومن جهة أخرى أنه إذا كان المعنى في إباحة الميتة إحياء نفسه بأكلها وخوف التلف في تركها، وذلك موجود في سائر المحرمات، وجب أن يكون حكمُها حكمَها؛ لوجود الضرورة، والله أعلم. اهـ.

    قول الإمام أبي بكر بن العربي المالكي المتوفى سنة 542: قال في أحكام آية البقرة من تفسيره (أحكام القرآن) بعد تحقيق معنى الاضطرار بنحو مما تقدم أو أوضح -ومداره على اتقاء الضرر- ما نصه:

    المسألة التاسعة- هذا الضرر الذي بيَّناه يلحق إما بإكراه من ظالم أو بجوع في مخمصة أو بفقر لا يجد فيه غيره، فإن التحريم يرتفع عن ذلك بحكم الاستثناء ويكون مباحًا، فأما الإكراه فيبيح ذلك كله إلى آخر الإكراه.

    وأما المخمصة فلا يخلو أن تكون دائمة فلا خلاف في جواز الشبع منها، وإن كانت نادرة فاختلف العلماء في ذلك على قولين: (أحدهما) يأكل حتى يشبع ويتضلع. قاله مالك، وقال غيره: يأكل على قدر سد الرمق، وبه قال ابن حبيب وابن الماجشون لأن الإباحة ضرورة فتُقَدَّرُ بقَدْرِ الضرورة. وقد قال مالك في موطئه الذي ألفه بيده وأملاه على أصحابه وأقرأه وقرأه عمره كله: يأكل حتى يشبع. ودليله أن الضرورة ترفع التحريم فيعود مباحًا، ومقدار الضرورة إنما هو من حالة عدم القوت إلى حالة وجوده حتى يجد، وغير ذلك ضعيف.

    المسألة العاشرة- من اضطر إلى خمر، فإن كان بإكراه شرب بلا خلاف، وإن كان لجوع أو عطش فلا يشرب، وبه قال مالك في العُتْبِيَّة، قال: ولا يزيده الخمر إلا عطشًا.

    وحجته أن الله تعالى حرم الخمر مطلقًا وحرَّم الميتة بشرط عدم الضرورة، ومنهم من حمله على الميتة، وقال أبو بكر الأبهري: إن ردت الخمر عنه جوعًا أو عطشًا شربها، وقد قال الله تعالى في الخنزير: إنه رجس ثم أباحه للضرورة، وقال تعالى أيضًا في الخمر: إنه رجس فتدخل في إباحة ضرورة الخنزير بالمعنى الجليِّ الذي هو أقوى من القياس، ولا بد أن تروي ولو ساعة وترد الجوع ولو مدة.

    المسألة الحادية عشر- إذا غُصَّ بلقمة فهل يجيزها بخمر أم لا؟ قيل: لا يسيغها بالخمر مخافة أن يدَّعي ذلك، وقال ابن حبيب. يسيغها؛ لأنها حالة ضرورة. وقد قال العلماء: من اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل، دخل النار إلا أن يعفو الله تعالى عنه.

    والصحيح أنه سبحانه حرم الميتة والدم ولحم الخنزير أعيانًا مخصوصة في أوقات مطلقة، ثم دخل التخصيص بالدليل في بعض الأعيان، وتطرق التخصيص بالنص إلى بعض الأوقات والأحوال، فقال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ فرفعت الضرورة التحريم، ودخل التخصيص أيضًا بحال الضرورة إلى حال تحريم الخمر لوجهين:

    (أحدهما) حملًا على هذا بالدليل كما تقدم من أنه محرَّم فأباحته الضرورة كالميتة.

    (والثاني) أن من يقول: إن تحريم الخمر لا يحل بالضرورة، ذكر أنها لا تزيده إلا عطشًا ولا تدفع عنه شبعًا، فإن صح ما ذكره كانت حرامًا، وإن لم يصح -وهو الظاهر- أباحتها الضرورة كسائر المحرمات، وأما الغاص بلقمة فإنه يجوز له فيما بينه وبين الله تعالى، وأما فيما بيننا فإن شهدناه فلا يخفى بقرائن الحال صورة الغصة من غيرها فيُصَدَّقُ إذا ظهر ذلك، وإن لم يظهر حدَدْنَاه ظاهرًا وسلم من العقوبة عند الله تعالى باطنًا. اهـ.

    قول الإمام الرازي الشافعي: عقد الفخر الرازي في أحكام آية البقرة من تفسيره الكبير المشهور فصولًا بعد تفسير الاضطرار بمثل ما تقدم قال في آخر الفصل منه ما نصه: المسألة الرابعة- اختلفوا في المضطر إلى الشرب إذا وجد خمرًا أو من غُصَّ بلقمة فلم يجد ماء يسيغه ووجد الخمر، فمنهم من أباحه بالقياس على هذه الصورة فإن الله تعالى إنما أباح هذه المحرمات إبقاء للنفس ودفعًا للهلاك عنها، فكذلك في هذه الصورة، وهذا هو الأقرب إلى الظاهر والقياس، وهو قول سعيد بن جبير وأبي حنيفة. وقال الشافعي رضي الله عنه: لا يشرب؛ لأنه يزيده عطشًا وجوعًا ويذهب عقله.

    وأجيب عنه بأن قوله: لا يزيده إلا عطشًا وجوعًا: مكابرة، وقوله: يزيل العقل: فكلامنا في القليل الذي لا يكون كذلك.

    المسألة الخامسة- اختلفوا إذا كانت الميتة يُحْتَاجُ إلى تناولها للعلاج، إما بانفرادها أو بوقوعها في بعض الأدوية المركبة، فأباحه بعضهم للنص والمعنى.

    أما النص فهو أنه صلى الله عليه وسلم أباح للعرنيين شرب أبوال الإبل وألبانها للتداوي، وأما المعنى فمن وجوه:

    الأول- أن الترياق الذي جعل فيه لحوم الأفاعي مستطاب فوجب أن يحل؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4] غاية ما في الباب أن هذا العموم مخصوص، ولكن لا يقدح في كونه حجة.

    الثاني- أن أبا حنيفة لما عفا عن قدر الدرهم من النجاسة لأجل الحاجة، والشافعي عفا عن دم البراغيث للحاجة، فَلِمَ لا يحكمان بالعفو في هذه الصورة للحاجة.

    الثالث- أنه تعالى أباح أكل الميتة لمصلحة النفس فكذا هاهنا. ومن الناس من حرَّمه واحتج بقوله عليه السلام: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ» وأجاب الأولون بأن التمسك بهذا الخبر إنما يتم لو ثبت أنه يحرم عليه تناوله، والنزاع ليس إلا فيه.

    المسألة السادسة- اختلفوا في التداوي بالخمر، واعلم أن الحاجة إلى ذلك التداوي إن انتهت إلى حد الضرورة فقد تقدم حكمه في المسألة الرابعة، فإن لم تنته إلى حد الضرورة فقد تقدم حكمه في المسألة الخامسة. اهـ.

    قول الإمام الطوفي الحنبلي: قال الإمام الشيخ سليمان بن عبد القوي الطوفي في تفسيره: (الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية) في تفسير آية البقرة ما نصه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي إذا أكل من هذه المحرمات مضطرًّا لا إثم عليه.

    والمضطر من خشي على نفسه الهلاك أو مرضًا أو ضعفًا فاحشًا يخشى منه الهلاك أو الزمانة، ونحو ذلك من الضرر الفظيع فله أن يأكل ما يسد رمقه، وفي تمام الشبع قولان للعلماء، إلخ.

    ما ورد في السنة والأثر: هذا ما قاله أشهر المفسرين المحققين المنتمين إلى المذاهب الأربعة في الضرورة والاضطرار الذي يبيح شرب الخمر التي لا خلاف في كونها خمرًا، أو يوجبه، وكونه في حال الاضطرار لا يُعَدُّ من التداوي بالمحرم لأنه صار واجبًا، وأحسنه كلام ابن العربي.

    وإن في الآثار عن بعض أئمة السلف ما يدل على الرخصة فيما دون ذلك، كما يتبادر من الرواية الثانية الآتية عن سعيد بن جبير من أئمة التابعين، فقد روى عنه ابن جرير في تفسير: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ أنه قال: إذا خرج في سبيل من سبيل الله فاضطر إلى شُرْب الخمر شَرِبَ، وإن اضطر إلى الميتة أكل.

    وفي رواية أخرى أنه قال في تفسير الباغي والعادي: هو الذي يقطع الطريق فليس له رخصة إذا جاع أن يأكل الميتة، وإذا عطش أن يشرب الخمر اهـ.

    فناط أكل الميتة وشرب الخمر بمجرد الجوع والعطش أي مع عدم وجود غيرهما، ولم يشترط فيه الخوف على نفسه أن تهلك أو تمرض أو تضعف ضعفًا شديدًا فهو يَعُدُّ من الضرورة فقد الطعام والشراب المباح مع الحاجة إليه، ونظيره إباحة التيمم بفقد الماء.

    وهو موافق ما حقَّقه ابن العربي في عده الفقر من الضرورة المبيحة ويؤيده ما يأتي من السنة.

    وأما السنة وقد أخرناها لأنها القاضية على كل ما قيل في تفسير الآية -فمنها حديث أبي واقد الليثي قال: قلت: يا رسول الله إنا بأرض تصيبنا مخمصة فما يحل لنا من الميتة فقال: «إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا، وَلَمْ تَغْتَبِقُوا، وَلَمْ تَخْتَفِئُوا بَقْلًا فَشَأْنُكُمْ بِهَا» وقد رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات كما قال في مجمع الزوائد[2].

    وفي معناه حديث جابر بن سمرةرضي الله عنه قال: «إن أهل بيت كانوا بالحرة محتاجين قال: فماتت عندهم ناقة لهم أو لغيرهم، فرخَّص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكلها فعصمتهم بقية شتائهم. أو سنتهم» رواه أحمد. وفي لفظ: إن رجلًا نزل بالحرة ومعه أهله وولده، فقال رجل: إن ناقة لي ضلت فإن وجدتها فأمسكها، فوجدها فلم يجد صاحبها، فمرضت فقالت له امرأته: انحرها فأبى، فنفقت -أي ماتت- فقالت: اسلخها حتى نقدر[3] وفي (رواية نُقَدِّد) شحمها ولحمها ونأكله، فقال: حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه فسأله فقال: «هَلْ عِنْدَكَ غِنًى يُغْنِيكَ؟»، قال: لا. قال: «فَكُلُوه»، قال: فجاء صاحبها، فأخبره الخبر فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال: استحييت منك.

    رواه أبو داود، وسكت عنه هو والمنذري.

    وهذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على أن المضطر إلى أكل الميتة ونحوها هو من لا يجد قوتًا يغنيه عنها، وأنه يأكل ما يكفيه عادة -كما هو مذهب مالك- فلا يبغيه وهو يجد عنه غنًى، ولا يعدو حد الحاجة التي يقوى منها على السعي والعمل إلى حد البطنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينط إفتاءه بخوف الهلاك أو الضرر الذي لا يحتمل، ولم يأمر بالاقتصار في الأكل على ما يسد الرمق، بل ناطها بالحاجة إليها، وعدم ما يغني عنها.

    ولما نقل الحافظ ابن حجر قول من قال: إنه يجوز أكل المعتاد للمضطر في غير أيام الاضطرار، قال: وهو الراجح لإطلاق الآية.

    ويؤخذ من هذا أن من كان مسافرًا في أرض شديدة البرد والثلج والجليد كالبلاد الشمالية، ولم يجد ما يدفع عنه ضرر البرد ولا وقودًا يذيب به الثلج ليشرب منه فله أن يشرب من الخمر ما يدفع عنه البرد الضار والظمأ ما دام لا يجد ما يغني عنها، غير متجانف لإثم أي غير باغ النشوة والسكر ولا عادٍ حد ما يدفع الضرر.

    هذا، وإن شرب الخمر ليس من موضوع مسألتنا، وإنما موضوعه الأصلي الطلاء الذي تطلى به الجدران وخشب البيوت والأثاث، فيكون به نظيفًا جميلًا طويل العمر غير قابل لامتصاص الأقذار النجسة الضارة وغيرها.

    فالسائل الفاضل يحرمه؛ لأنه يعالج بالسبيرتو، وهو-أي الطلاء- ليس بشراب ولا قذر، ولا يمكن أن يكون ذريعة للسكر، وبذلك انجرّ الكلام إلى البحث في السبيرتو وسائر ما يُسْتَحْضَر به من الأدوية وغيرها.

    وإننا نرى الثقات من الأطباء والجراحين يجزمون بأن استعمال السبيرتو في التطهير والوقود المتعلق به واستعمال الأدوية المستحضرة به يصل إلى حد الضرورة في بعض الأحيان والأحوال، ولا سيما حال الحرب بحيث إذا ترك يقع الضرر العظيم كتلف بعض الأعضاء المجروحة وبقية المقطوعة.

    وإنه في غير حال الضرورة، من الحاجات التي عمت بها البلوى في طب الأبدان والأسنان والجراحة، بحيث يكون حظره والمنع منه حرجًا عظيمًا.

    مسألة عموم البلوى ويسر الشريعة: وإننا نوضح مسألة عموم البلوى ويسر الشريعة ورفع الحرج -الثابت بنصوصها القطعية والإجماع- بكلام بعض المحققين الذين يذعن السائل الفاضل لتحقيقهم: قال الإمام أبو إسحاق إبراهيم الشاطبي الغرناطي في سياق المسألة الثانية عشرة من كتاب الأحكام من كتابه الموافقات ما نصه: «إن محالّ الاضطرار مغْتَفَرة في الشرع، أعني أن إقامة الضرورة معتبر، وما يطرأ عليه من معارضات المفاسد مغتفر في جنب المصلحة المجتلبة، كما اغتفرت مفاسد أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وأشباه ذلك (أي كالخمر) في جنب الضرورة لإحياء النفس المضطرة اهـ. (صفحة 103ج1).

    إن أصول الشاطبي التي حققها في كتاب المقاصد تبني أحكام الشريعة كلها على أساسَي: مراعاة مصالح الخلق ودفع المفاسد عنهم في الأمور الثلاثة، وهي: الضروريات والحاجيات والتحسينيات. والضروريات هي الكليات الخمس المشهورة: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل (ص4 ج2).

    وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح قاعدته الثانية في العقود حرامها وحلالها فصلًا فيما عمت به البلوى، ومسَّت إليه الحاجة في كثير من بلاد الإسلام من إجارة الأرض المشتملة على الغراس والمباني التي اختلف الفقهاء في أحكام إجاراتها، فأطال الكلام فيها، وذكر ما للناس من الحيل لاستباحة المحظور منها، ثم أتى بقاعدة عامة في يسر الشريعة، وهو ما نريده من كلامه، فقال جزاه الله خيرًا: «فالمقصود المعقود عليه ظاهر، والذين لا يحتالون أو يحتالون -وقد ظهر لهم فساد هذه الحيلة- هم بين أمرين: إما أن يفعلوا ذلك للحاجة ويعتقدون أنهم فاعلون للمحرم كما رأينا عليه الناس، وإما أن يتركوا ذلك ويتركوا تناول الثمار الداخلة في هذه المعاملة، فيدخل عليهم من الضرر والاضطرار ما لا يعلمه إلا الله.

    وإن أمكن أن يلتزم ذلك واحد أو اثنان، فما يمكن المسلمين التزام ذلك إلا بفساد الأموال التي لا تأتي بها شريعة قط، فضلًا عن شريعة قال الله فيها: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: 28].

    وفي الصحيحين: «إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ» «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» «لِيَعْلَمَ الْيَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا سِعَةً» فكل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج وهو منتفٍ شرعًا.

    والغرض من هذا أن تحريم مثل هذا مما لا يمكن للأمة التزامه قط لِمَا فيه من الفساد الذي لا يُطَاق، فعلم أنه ليس بحرام، بل هو أشد من الأغلال والآصار التي كانت على بني إسرائيل ووضعها الله عنا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.

    ومن استقرأ الشريعة في مواردها ومصادرها وجدها مبنية على قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 3] اهـ. المراد منه.

    فالقاعدة الشرعية المستندة إلى نص هذه الآيات العامة لجميع أحكام الشريعة هي أن المحَرَّم لذاته -وهو ما كان ضارًّا بذاته- يباح للضرورة، ويليها قاعدة أخرى متممة لها، وهي أن ما كان محرمًا لسد الذريعة يباح للمصلحة الراجحة، ولا يشترط فيه الضرورة.

    وقد شرح ذلك المحقق ابن القيم في بحث الربا من كتابه إعلام الموقعين، فإنه أثبت أن صنعة الحلية لها قيمة، فليس من الربا أن تباع بأكثر من وزنها دراهم إن كانت فضة، أو دنانير إن كانت ذهبًا، ومما وضحه به قوله: «يوضحه أن تحريم ربا الفضل، إنما كان سدًّا للذريعة، كما تقدم بيانه، وما حُرِّم سدًّا للذريعة، أبيح للمصلحة الراجحة، كما أبيحت العرايا من ربا الفضل، وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب والعامل من جملة النظر المُحَرَّم، وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجال حرم لسد ذريعة التشبّه بالنساء الملعون فاعله، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة.

    وكذلك ينبغي أن يباح بيع الحلية المصوغة صياغة مباحة بأكثر من وزنها؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، وتحريم التفاضل إنما كان سدًّا للذريعة» اهـ.

    وملخص ما تقدم كله أن السبيرتو ليس بخمر، وإن كان يوجد فيها وفي غيرها مما أجمع المسلمون على حلّه وطهارته كالعجين المختمر، وهو الآن لا يستخرج من الخمر لرخصه وغلائها. وأن الخمر غير نجسة نجاسة حسية على التحقيق.

    وأن الواجب في تطهير النجاسة ما يزول أو يضعف به وصف القذارة، كما علم من أحاديث دم الحيض والمني وبول الغلام والنعال وذيول النساء التي تجر على الأرض النجسة، وإن من المطهرات بهذا المعنى الشمس والنار وانقلاب العين والصقل، ومنه أكل أبي الدرداء وغيره من الصحابة السمك المُعَالَج بالخمر المسمى (المري) وتعليله لذلك بقوله: «ذبح الخمرَ النينانُ والشمسُ» كما نقلناه في الفتوى الأولى عن صحيح البخاري، ونتيجة ذلك كله أن طلاء الخشب الذي هو واقعة الفتوى الهندية، وسائر ما يعالج أو يُحَضَّر بالسبيرتو من الأدوية والأعطار والأدهان والأطلية طاهر، ولو لم تعم به البلوى، فكيف وقد ثبت عمومها في جميع بلاد الحضارة؟ وسنكتب مقالًا خاصًّا في التداوي إن شاء الله تعالى.

    والله أعلم[4].

    [1] ‏ انظر الفتوى رقم 607 أعلاه.
    [2] فسروا الصبوح والغبوق بما يتغذى به في الصباح وفي المساء طعامًا كان أو شربًا، وهو في أصل اللغة الشرب ‏فيهما فتفسيره بالأعم تفسير بالمراد. وأصل الاحتفاء اقتلاع الحفاء وهو البردي «بضم الموحدة» نوع من جيد ‏الثمر، وقد استعير لاقتلاع البقل كما قال الزمخشري في الفائق. قال: وروي تحتفوا من احتفى القوم المرعى إذا ‏رعوه وقلعوه. وأورده الجصاص بلفظ «ولم يجدوا بها بقلًا».‏
    [3] نقدر بالراء يقال قدر الطعام (من باب قتل) إذا طبخه بالقدر- وهي رواية أحمد. ونقدد بالدال من قدد اللحم إذا جعله ‏قديدًا لأجل الادخار. المنار ج24 (1923) ص749. الحاشية.‏

    [4] المنار ج24 (1923) ص738- 752.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 638 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة