• التبشير والمبشرون في نظر المسلمين

    1- هل يحسب المسلم كل تبشير مسيحي للمسلمين مفسد وغير لائق مهما كان منصفًا وبعيدًا عن الطعن؟

    2- هل يحسب المسلم على حد سوي المسيحي الغيور في دينه والمريد نشره للغير والمسيحي الذي لا يعمل بدينه في حياته ولا لأجله عند غيره؟

    عبارة هذه الأسئلة ضعيفة؛ لضعف عربية صاحبها.

    ونجيب عن الأول والثاني جوابا واحدا؛ لاشتراكهما في المعنى فنقول: إن المسلم يميز بقدر ما أوتي من العقل والعلم بين التبشير النزيه الخالي من الطعن والتبشير البذيء المبني عليه، ويميز بين المسيحي الغيور في دينه العامل به وبين من اتخذه تجارة، كأكثر المبشرين الذين عرفنا حالهم، ومن جعله سياسة كالذين رباهم هؤلاء المبشرون على التعصب وعداوة المخالف لدينهم من أبناء وطنهم، فصار الدين جنسية سياسية لهم، فهم لا يعملون بأوامره بالفضائل ولا بنواهيه عن الرذائل، وإنما حظهم منه مقاومة المخالف، ولا يحتقر المسلم بطبيعة دينه شيئًا من الأشياء كاحتقاره للنفاق وأهله.

    وأما كون كل تبشير يوجهه النصارى إلى المسلمين مفسدا وغير لائق، فهو ما أثبته الاختبار إلى الآن، وإن لم يكن من الضروريات المنطقية في حد نفسه -وأعني بهذا الاختبار سيرة جماعات المبشرين العامة، ولكن يوجد أفراد يدعون إلى دينهم بإظهار ما فيه من الفضائل والدفاع عما يرد على عقائده وأصوله من الاعتراضات، بما أوتوه من معرفة، مع مراعاة النزاهة، واجتناب كل ما يؤذي المناظر.

    وقد عاشرت بعضهم في طرابلس الشام أيام طلبي للعلم وجرت بيني وبينهم مناظرات كثيرة في بضع سنين لم يشك أحد منا صاحبه في شيء، بل كنا نحترمهم لآدابهم وعدم اتجارهم بدينهم، وإن كانوا يأخذون الرواتب من بعض جمعيات التبشير.

    ومن أضر أعمال المبشرين في مدارسهم حتى الأمريكانية منها، وهي أنزهها أنهم يشككون الطلاب المسلمين في دينهم، ولا يقنعونهم بالنصرانية، فيخرج الكثيرين منهم ملحدين أو منافقين، وكذا طلاب النصارى وغيرهم، وهذا إفساد عظيم لا يخفى على ذكاء السائل المحترم، دع خدمة هذه المدارس ومثلها مستشفياتهم، لمطامع السياسة الاستعمارية، حتى قال لورد سالسبوري الوزير الإنكليزي المشهور: إن مدارس المبشرين أول خطوة من خطوات الاستعمار؛ لأن أول تأثيرها إحداث الشقاق في الأمة التي تنشأ فيها، فينقسم بعضهم على بعض باختلاف الأفكار والشك في الاعتقاد؛ أي: فيتمكن الأجنبي من ضرب بعضهم ببعض، وينتهي ذلك بتمكين المستعمرين من نواصيهم وسلب استقلالهم وإذلالهم وسلب ثروتهم[1].

    [1] المنار ج25 (1924) ص188-189.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 640 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة