• التبشير بالكتاب المقدس

    ألا يستحق التبشير بالكتاب المقدس شكر كل إنسان؛ إما لأنه يعرف الإنسان فوائد لم يحصل عليها قبل، أو لأنه يجعل الإنسان بعد التأمل بتدقيق يفضل كتابه الخاص؟

    إن التبشير بهذا الكتاب ليس نعمة على كل فرد من أفراد البشر حتى يجب شكره على كل فرد منهم، وإنما الشكر على النعم، بل نقول: إنه كان نقمة ومصيبة على جميع أهل البلاد التي نعرفها بما أحدث من الشقاق والتعادي بين أهلها، وفاقًا لما قررها اللورد سالسبوري.

    وإن جميع أهل العلم والبصيرة من أهل البلاد السورية التي يقيم فيها السائل يعلمون اليوم حق العلم أنه ما أفسد ذات بينهم وفرق كلمة طوائفهم، وحرمهم نعمة الرابطة الوطنية التي تفتخر بها البلاد الغربية إلا مدارس المبشرين ونزعاتهم.

    وقد صر ح بهذا أشهر كتابهم وخطبائهم وأهل الرأي فيهم من المسلمين والنصارى جميعًا.

    ومن المتفق عليه بين هؤلاء العارفين بشؤون البلاد الدينية والاجتماعية أن التدين بالنصرانية كان أقوى وأصدق بين أهلها قبل هؤلاء المبشرين، والتعصب الذميم كان أضعف، وإن كانوا لا ينكرون أن المعرفة بالديانة كانت أقل، ولا نعرف لهم أثرا في تنصير أناس ارتقوا بتنصيرهم إياهم، فصاروا خيرًا مما عليه أهل دينهم فضيلة وآدابًا وعبادة لله عز وجل، دع ما يعتقده المسلمون من بطلان كل عبادة مشوبة بالشرك.

    نعم إن هذه المدارس نفعت البلاد بما بثته فيها من العلوم والفنون العملية ولا سيما الطب والزراعة والتجارة، وهذه نعم تشكر، ولكنها ليست من التبشير في شيء، وإن الذين حذقوها في المدارس أبعد عن تعاليم الكتاب المقدس في عقائده وأحكامه ممن لم يدخل فيها.

    وما علّـل السائل المحترم به وجوب هذا الشكر من كون هذا التبشير يعرف الإنسان فوائد لم يحصل عليها من قبل، أو يجعله بعد التأمل الدقيق يفضل كتابه الخاص -ففيه بحث ونظر من حيث كونه ليس من لوازم هذا التبشير الخاص به؛ فإن كل ما يتعلمه الإنسان يفيده ما لم يعلمه من قبل، ويقل من يدرس هذا الكتاب بسبب التبشير وبدلالة المبشرين دراسة استقلال تهديه إلى تفضيل كتابه عليه.

    على أن كل مسلم عرف حقيقة الإسلام، ثم درس هذا الكتاب يزداد به علمًا بتفضيل القرآن على جميع الكتب، وكونه مهيمنًا عليها، وحكمه هو الحكم الفصل فيها.

    وهؤلاء قليلون وأنا منهم، وهذا الكتاب الجامع لما عندهم منها من جملة الكتب التي أضعها بجانبي دائما لكثرة مراجعتي لها[1].

    [1] المنار ج25 (1924) ص190-191.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 642 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة