• الكلام على الوضوء والسلام على المتوضئ

    قال بعض السبكية لا كلام على الوضوء، وزعموا أن رجلًا سلَّم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ فلم يرد عليه حتى أتم الوضوء. ولم نعلم صحة هذا الحديث ولم يعلموا هم أيضًا. فهل عند سيدنا الأستاذ شيء ثابت في السنة على هذا؟

    إن الحديث الذي ذكروه هو ما رواه ابن جرير عن البراء بن عازب أنه سلَّم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ فلم يرد عليه حتى فرغ من الوضوء، مد يده إليه وصافحه.

    ونذكر بهذه المناسبة ما يتعلق بمحظورات السلام وأوسعها ما جمعه في هذا الشيخ محمد السفاريني الحنبلي في شرح كتابه غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب في التنبيهات المتعلقة بالسلام قال: يكره السلام على جماعة منهم: المتوضئ ومن في الحمام ومن يأكل أو يقاتل، وعلى تالٍ وذاكر وملبٍّ ومحدِّث وخطيب وواعظ، وعلى مستمع لهم ومقرر فقه ومدرس وباحث في علم ومؤذن ومقيم، ومن على حاجته ومتمتع بأهله أو مشتغل بالقضاء ونحوهم، فمن سلم في حالة لا يستحب فيها السلام لم يستحق جوابًا وقد نظمهم الخلوتي وزاد عليهم جماعة فقال:

    ردُّ السلام واجب إلا على...من في الصلاة أو بأكلٍ شُغلا

    أو شرب أو قراءة أو أدعيه...أو ذكر أو في خطبة أو تلبيه

    أو في قضاء حاجة الإنسان...أو في إقامة أو الآذان ‏

    أو سلم الطفل أو السكران...أو شابة يخشى بها افتتان ‏

    ‏أو فاسق أو ناعس أو نائم...أو حالة الجماع أو تحاكم

    أو كان في الحمام أو مجنونا...فهي اثنتان قبلها عشـرونا

    ورد النص في بعض هذه والبقية بالقياس على المنصوص، وإذا انتفى الوجوب بقي الاستحباب أو الإباحة.

    نعم في مواضع يكره الرد أيضًا كالذي على حاجته، ولعل مثله من مع أهله ويحرم أن يرد وهو في الصلاة لفظًا وتبطل به، ويكره إشارة قدمها في الرعاية. وقيل: لا كراهة للعموم، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على من سلَّم عليه من أصحابه، وهو في الصحيحين. ولأنه صلى الله عليه وسلم ردَّ على ابن عمر إشارة وعلى صهيب كما روى الإمام أحمد والترمذي وصححه. وإن رد عليه بعد السلام فحسن؛ لوروده في حديث ابن مسعود. وإن لقي طائفة فخص بعضهم بالسلام كره. وكره السلام على امرأة أجنبية غير عجوز وبرزة، فإن سلمت شابة على رجل ردّه عليها، وإن سلم لم ترد عليه. قال ابن الجوزي: المرأة لا تسلم على الرجال أصلًا.

    وروى من الحلية عن الزهري عن عطاء الخراساني يرفعه: «ليس للنساء سلام ولا عليهن سلام»، وكره الإمام السلام على الشواب دون الكبيرة، وقال شيخ الإسلام: لا ينبغي أن يسلم على من لا يصلي ولا يجيب دعوته. اهـ.

    ولنذكر ما اطلعنا عليه في كتب السنة مما يصلح دليلًا لما أورده أيضًا أو قياسًا عليه أو معارضًا له فنقول: روى أبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم أن رجلًا -هو المهاجر بن قنفذ- سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فلم يرد عليه، ثم قال له: «إِذَا رَأَيْتَنِي عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا تُسَلِّمْ عَلَيَّ، فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ أَرُدَّ عَلَيْكَ» وفي بعض الروايات أنه رد عليه بعد أن تسمح، وفي أخرى: بعد أن توضأ، وتعليل عدم الرد بأنه كان على غير طهارة.

    وروى الشافعي في سننه، والبيهقي في المعرفة، والخطيب عن ابن عمر: «أن رجلًا مرَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلَّم عليه فردَّ عليه وقال: «إِنَّمَا حَمَلَنِي عَلَى الرَّدِّ عَلَيْكَ مَخَافَةَ أَنْ تَذْهَبَ إِلَى قَوْمِكَ فَتَقُولُ: إِنِّي سَلَّمْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَإِذَا رَأَيْتَنِي عَلَى هَذِهِ الْحَالِ فَلا تُسَلِّمَنَّ عَلَيَّ، فَإِنَّكَ إِنْ سَلَّمْتَ عَلَيَّ لَمْ أَرُدَّ عَلَيْكَ»، وروى ابن جرير عن أبي جهم أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فلم يرد عليه حتى فرغ، ثم جاء إلى حائط فتيمم ثم رد عليه السلام. وروي عن ابن عمر مثله مرفوعًا فيمن سلم عليه وهو مقبلٌ من الغائط.

    وأما حديث: (ليس للنساء سلام ولا عليهن سلام) الذي احتج به السفاريني فقد أشار السيوطي في الجامع الصغير إلى ضعفه وهو من مراسيل عطاء الخراساني وهو مدلس لا يحتج بمراسيله من يحتج بالمراسيل، فكيف بمن لا يحتج بها كالجمهور ومنهم الشافعية، وهو معارض لأحاديث صحيحة.

    عقد البخاري في صحيحه بابًا في مشروعية «تسليم الرجال على النساء والنساء على الرجال» قال الحافظ ابن حجر: في شرح ترجمة الباب من الفتح: أشار بهذه الترجمة إلى رد ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير: بلغني أنه يكره أن يسلم الرجال على النساء والنساء على الرجال. وهو مقطوع أو معضل. والمراد بجوازه أن يكون عند أمن الفتنة. وذكر في الباب حديثين يؤخذ منهما الجواز. وورد فيه حديث ليس على شرطه وهو حديث أسماء بنت يزيد: مر علينا النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة فسلَّمَ علينا. حسنه الترمذي، اهـ.

    ثم ذكر الحافظ حديث واثلة عند أبي نعيم في عمل اليوم والليلة مرفوعًا: «يسلم الرجال على النساء ولا يسلم النساء على الرجال» قال: وسنده واه. ومن حديث عمرو بن حريث مثله موقوفًا وسنده جيد. وثبت في مسلم من حديث أم هانئ: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل فسلمت عليه اهـ.

    أقول: تسليم الرجال على النساء يوافق آداب الإفرنج ومقلديهم في هذا الزمن وأما حديثا الباب في البخاري، فأحدهما: حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أنه كان لهم عجوز تطبخ كل يوم جمعة أصول السلق بدقيق الشعير، وكانوا إذا صلوا الجمعة ينصرفون فيسلمون عليها، فتقدمه إليهم، فيفرحون به. والثاني: تبليغ النبي صلى الله عليه وسلم عائشة سلام جبريل فترد عليه السلام وكان يجيء بصورة رجل. وحديث أم هانئ حجة على من منع السلام على من في الحمَّام. وفي الصحيحين وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم على الصبيان. وعقد البخاري له بابًا للرد على من قال: لا يشرع كالحسن البصري. وقيده الفقهاء بما قيدوا به السلام على المرأة التي يخشى الافتتان بها. وأما الفاسق فاحتج الجمهور في ترك السلام والرد عليه بمنع النبي صلى الله عليه وسلم الناس من الكلام عن المتخلفين في غزوة تبوك...[1]


    [1] المنار ج25 (1924) ص197-199.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 648 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة