• الاستغفار للسابقين الأولين

    ما قولكم في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾؟

    قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ إلخ. لم يذكر السائل وجه السؤال عنه وهذه الآية قد جاءت مع آيتين في وصف المهاجرين والأنصار -رضي الله تعالى عنهم- ويعلم المراد منها بإيرادهما فنذكر الثلاث من سورة الحشر وهي: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ[٨] وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[٩] وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ[١٠]﴾ [الحشر: 8 - 10].

    جعل الله تعالى المؤمنين ثلاث درجات:

    الأولى: المهاجرون وهم السابقون إلى الإيمان والنهوض بنصر الرسول صلى الله عليه وسلم على نشر دعوته ومعاداة أهليهم وأقوامهم في هذه السبيل سبيل الله عز وجل على ضعفهم وقوة قومهم.

    الثانية: الأنصار الذين أظهر الله تعالى هذا الدين على يديهم وأيده بهم.

    الثالثة: الذين جاءوا من بعدهم وهم سائر المؤمنين.

    وصفهم الله تعالى بهذا القول الدال على علمهم بفضل السابقين الأولين عليهم وقدرهم قدرهم وحبهم والدعاء لهم، وهو يتناول سائر مؤمني ذلك العصر من الصحابة وغيرهم، كمن آمن في عصره صلى الله عليه وسلم ولم يره، ويشتمل من بعدهم إن شاء الله تعالى بمشاركته لهم في وصفهم المذكور آنفًا وقيل: هو خاص بهؤلاء.

    روى الحاكم وصححه وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: الناس على ثلاث منازل قد مضت منزلتان وبقيت منزلة فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، ثم قرأ الآيات الثلاث. وروى ابن مردويه عن ابن عمر أنه سمع رجلًا يتناول بعض المهاجرين فقرأ عليه ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ ... الآية، ثم قال هؤلاء المهاجرون: فمنهم أنت؟ قال: لا. ثم قرأ عليه ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ ... الآية، ثم قال: هؤلاء الأنصار: أفأنت منهم؟ قال: لا. ثم قرأ عليه ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا﴾ ... الآية، وقال: من هؤلاء أنت؟ قال أرجو، قال: لا. ليس من هؤلاء من يسب هؤلاء.

    وفي رواية أخرى عنه أنه بلغه أن رجلًا يسب عثمان فدعاه فأقعده بين يديه فقرأ عليه هذه الآيات كما تقدم فقال الرجل بعد الأخيرة: أرجو أن أكون منهم. فقال ابن عمر: لا والله ما يكون منهم من يتناولهم ويكون في قلبه الغل عليهم. ووصفه تعالى لأهل الدرجة الثالثة من المؤمنين بذلك شهادة لمن كانوا في عهد نزول الآيات بذلك وإرشاد لمن بعدهم أو أمر بأن يكونوا كذلك؛ ليدخلوا في هذه الحظيرة الإيمانية الشريفة. وقد قال الضحاك: أُمروا بالاستغفار لهم وقد علم ما أحدثوا -يعني ما أخطأ به بعضهم في عهد الفتنة، اهـ.

    وذلك أن هؤلاء أحوج إلى الاستغفار لهم، والمؤمن الصادق في الإيمان يحب أن يغفر الله تعالى لإخوانه المؤمنين إذا أذنبوا كما يحب أن يغفر له ولأولاده ولإخوته إذا أذنبوا ولا ينطوي على الغل والحقد عليهم ولا يقطع أخوتهم وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن ما عدا أبا داود عن أنس رضي الله عنه. وروي عن بعض السلف ومنهم الإمام مالك أن هذه الآية في التابعين ومن بعدهم. واستدل بها مالك على أن من سب الصحابة فلا حق له في الفيء فإن الآية نزلت في قسمة الفيء.

    وجملة القول: إن من شأن المؤمنين التحاب والتواد والرأفة والرحمة ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29] ومنه نصيحة من حضر والاستغفار لمن غبر، ومن رأيته يحمل عليهم الغل ويذكرهم بالسوء، فهو منافق[1].

    [1] المنار ج25 (1924) ص348-349.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 650 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة