• غرائب الوسوسة في الطهارة

    رجل تردد على غالب محلات الأكل في مدينة من المدن، وكان يتناول أكله منها بدون أن يغسل يديه المتنجستين، وقد ترك هذه العادة الممقوتة الآن؛ فما الحكم في مأكولات هذه المدينة؟ وما الذي يعمله ذلك الرجل إذا كانت حرفته تستدعي وجوده في هذه المدينة، ولا يمكنه الانتقال عنها إلا في أزمنة مخصوصة كالإجازات الرسمية مثلًا؟ ومعلوم أيضًا أن سكان المدن لا غِنَى لهم عن تناول طعامهم من تلك المحلات السالفة الذكر وبعضهم يأكل منها ولا يغسل يديه عقب الأكل ولا يمكن للرجل المذكور أن يستغني عن قضاء حاجته منهم.
     

    إن الرجل المسئول عن حاله وما يترتب عليها شاذ في عقله وعمله فهو موسوس والسؤال عن حاله من شواذ مسائل الوسوسة، ويصعب على العاقل أن يتصور وجود رجل عاقل تكرر منه الأكل في أكثر مطاعم مدينة وهو متنجس اليدين، ولعل السائل لو ذكر لنا كيف كانت يداه متنجستين في هذه المرار كلها لجزمنا بأنَّ تنجسها من الوسوسة لا حقيقي.

    هذا وإن تنجس اليدين لا يقتضي تنجس الطعام الذي يؤكل بهما إلا إذا كان يغمسهما في الإدام المائع كالمرق، وأما تناوله بالملعقة فهو كآخذ الجامد باليد لا يقتضي تنجس الإناء، وإذا فرضنا إن كان من شذوذ وسوسته غمس يده النجسة أو يديه في المائعات، وأن أوانيها تنجست بها فذلك لا يقتضي بقاء هذه الأواني نجسة فإن الأواني في المطاعم وغيرها تغسل عقب كل طعام، وطهارة أواني المطاعم وغيرها، وطهارة الطعام أصل لا يعدل عنه إلا في إناء يعلم أنه تنجس وأنه لم يطهر بعد ذلك بأن رأى النجاسة أصابته ولم يغب عنه غيبة يحتمل تطهيره فيها.

    وجملة القول في الجواب: إن السؤال ليس من المشكلات بل هو من أوضح الواضحات فأواني مطاعم البلد كلها تعد طاهرة شرعًا وعقلًا وعرفًا، فلا حرج على الرجل في الأكل منها إذا ارتفع حرج الوسواس من قلبه.

    ولا خلاف في هذا بين فقهاء المذاهب المعتبرة، ولكن لهم أبحاثًا دقيقة في بعض النجس بيقين إذا اختلط بالطاهرات وما في معناه[1].

    [1] المنار ج25 (1924) ص658-659.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 655 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات