• حكم المكره على الحلف بالله أو بالطلاق

    ما قولكم دام فضلكم فيمن أكره على الحلف بالطلاق أو بالله أو بالمصحف ليفعل أمرًا لا يجب عليه شرعًا فعله مع قدرة المُكْرِهِ على تنفيذ ما هَدَّدَ به المُكْرَهَ (بالفتح) لا زلتم للإسلام حصنًا منيعًا وللدين عمادًا رفيعًا[1].

    إذا حلف أحد ليفعلنّ كذا مما لا يجب عليه شرعًا ففيه تفصيل، فإن غير الواجب يشمل المندوب والمستحب شرعًا والمباح والمكروه والحرام، فإن كان المحلوف على فعله مندوبًا أو مباحًا، فلا وجه للتفصي من القسم وعدم البر باليمين بعذر الإكراه، فإن ما سيأتي بيانه من الخلاف، والراجح منه في مسألة الإكراه لا يقتضي أن يحنث في يمينه، فإن الخروج من الخلاف أولى من الدخول فيه، كما قال العلماء، ومن البديهيات أن من لا خلاف في جواز عمله أو صحته خير من المختلف فيه.

    وإن كان المحلوف على فعله من المحظورات القطعية أو الظنية فلا يفعله، وإن حلف مختارًا، فإن اليمين على فعل المعصية أو ترك الواجب باطلة لا يجب الوفاء بها، بل يحرم ومثلها النذر، واختلف في كفارتها كما سيأتي، فكيف إذا أكره على الحلف إكراهًا؟، وكيف لا يحنث في اليمين على ترك المعصية؟ وقد صح الأمر بالحنث فيمن حلف على شيء فوجد غيره خيرًا منه، وفيه أحاديث منها ما رواه الشيخان (البخاري ومسلم) وغيرهما من حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينَكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» وفي رواية لأبي داود والنسائي: «فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينَكَ ثُمَّ أْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» وفي معناه أحاديث أخرى في الصحيحين والسنن، وهو دليل على أن من حلف أن ينتخب فلانًا لمجلس النواب ثم رأى أن غيره أنفع منه وأقدر على القيام بالمصلحة، فعليه أن ينتخب هذا دون من حلف لينتخبه ويكفر عن يمينه إذا حلف باختياره وإلا فلا كفارة عليه.

    وفي معنى ذلك في النذر قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ، فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ، فَلَا يَعْصِهِ»، رواه أحمد والبخاري وأصحاب السنن الأربعة من حديث عائشة رضي الله عنها، بل ورد فيمن نذر أو حلف على عمل شاق إفتاء النبي صلى الله عليه وسلم إياه بالكفارة دون تعذيب نفسه: روى الشيخان وأصحاب السنن الثلاثة من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيخًا يهادى بين ابنيه، فقال: «مَا هَذَا؟» قالوا نذر أن يمشي-زاد النسائي في رواية- إلى بيت الله - قال: «إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ». وروى أحمد والشيخان عن عقبة بن عامر قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيته فقال: «لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ». وفي رواية أصحاب السنن الأربعة أن أخته نذرت أن تمشي حافية غير مختمرة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا، فَلْتَرْكَبْ وَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» وفي بعض الروايات أمرها أن تهدي بدنة.

    واختلف في النذر بمعصية هل تجب فيه الكفارة أم لا؟ فقال الجمهور: لا، وعن أحمد والثوري وإسحاق وبعض الشافعية والحنفية نعم؛ ونقل الترمذي اختلاف الصحابة في ذلك، واتفقوا على تحريم النذر في المعصية واختلافهم، إنما هو في الكفارة قاله في نيل الأوطار. وأما الحلف بالطلاق اختيارًا، فللعلماء فيه ثلاثة أقوال مشهورة: أشدها أنه يقع به الطلاق وأخفها أنه لا يقع به شيء البتة؛ لأنه عبارة عن تأكيد للكلام وصاحبه لم يعزم الطلاق، ولم يُردْهُ وأوسطها أنه تَجِبْ به كفارة يمين.

    وليس هذا بموضع بسط أدلة هؤلاء القائلين وترجيح الراجح منها، وإنما ذكرناه تمهيدًا للكلام في الإكراه عليه هل يقع أم لا؟ اتفق جمهور أئمة المسلمين وعلماء الملة المستقلين من السلف والخلف إلى أن من أُكْرِهَ على شيء من قول أو فعل فأتى به مُكْرهًا غير مريد له فإنه لا يؤاخَذْ به في الجملة، واختلفوا في مسائل من ذلك تعارضت فيها النصوص عند بعضهم أو رأوا أنه لا يتحقق فيها الإكراه والأصل في هذه المسألة قوله تعالى في سورة النحل: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] الآية؛ فجعل الكفر بالله بالإكراه من مطمئن القلب بالإيمان غير مؤاخذ به، والكفر أعظم الآثام وأشدها عقابًا فما دونه أولى بأن لا يؤاخذ المكره عليه، وكذا قوله تعالى في إكراه الإماء على البغاء: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 33] أي لا يعاقبهن على الزنا بالإكراه.

    قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه أحكام القرآن في تفسير الآية الأولى: فذكر استثناء من تكلم بالكفر بلسانه عن إكراه، ولم يعقد على ذلك قلبه، فإنه خارج عن هذا الحكم معذور في الدنيا مغفور له في الأخرى. ثم قال في سياق تفسير المكره: وقد اختلف الناس في التهديد، هل هو إكراه أم لا؟ والصحيح أنه إكراه، فإن القادر الظالم إذا قال لرجل: إن لم تفعل كذا وإلا قتلتك أو ضربتك أو أخذت مالك أو سجنتك، ولم يكن له من يحميه إلا الله، فله أن يُقْدِم على الفعل ويسقط عنه الإثم في الجملة إلا في القتل فلا خلاف بين الأمة أنه إذا أكره عليه بالقتل أنه لا يحل له أن يفدي نفسه بقتل غيره. ثم ذكر الخلاف في الزنا أيضًا، وقول من قال: إنه لا يتحقق فيه الإكراه؛ لأنه شهوة غريزية، إلخ. ثم قال: لما سمح الله تعالى في الكفر به وهو أصل الشريعة عند الإكراه، ولم يؤاخذ به ولا ترتب حكم عليه، وعليه جاء الأثر المشهور عند الفقهاء: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ».

    والخبر وإن لم يصح سنده فإن معناه صحيح باتفاق من العلماء[2]، ولكنهم اختلفوا في تفاصيل: (منها) قول ابن الماجشون في حد الزنا وقد تقدم. (ومنها) قول أبي حنيفة: إن طلاق المكره يلزم، لأنه لم يعدم فيه أكثر من الرضا وليس وجوده بشرط في الطلاق كالهازل.

    وهذا قياس باطل، فإن الهازل قاصد إلى إيقاع الطلاق راضٍ به، والمكره غير راضٍ ولا نية له في الطلاق، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».

    ثم قال: من غريب الأمر أن علماءنا اختلفوا في الإكراه على الحنث في اليمين هل يقع به الإكراه أم لا؟ وهذه مسألة عراقية سرت لنا منهم، لا كانت هذه المسألة ولا كانوا هم، وأي فرق يا معشر أصحابنا بين الإكراه على اليمين في أنها لا تلزم، وبين الحنث في أنه لا يقع؟ فاتقوا الله وارجعوا بصائركم، ولا تغتروا بذكر هذه الرواية، فإنها وصمة في الرواية» اهـ.

    أقول: أما حديث: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ» الذي استدل به الحنفية في هذه المسألة، فقد رواه أصحاب السنن إلا النسائي، وقال الترمذي: حسن غريب، وفي إسناده عبد الرحمن بن حبيب بن أزدك، قال النسائي فيه: منكر الحديث، ووثقه غيره وله شواهد أضعف منه.

    وقد ردَّ الجمهور استدلال الحنفية بعمومه على وقوع طلاق المكره من وجوه غير ضعفه أقواها أنه لو كان صحيحًا لما صلح معارضًا لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] ودلالتها على عدم الاعتداد بطلاق المكره ويمينه ونذره بالأولى. (ومنها) الأحاديث الواردة في ذلك كحديث: «لا طلاق ولا إعتاق في إغلاق» والإغلاق الإكراه كما نقله الحافظ، وقال: إنه المشهور رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث عائشة، وكذا أبو يعلى والحاكم وصححه، وفي إسناده محمد بن عبيد بن أبي صالح ضعّفه أبو حاتم وذكره ابن حبان في الثقات ولكن رواه البيهقي من غير طريقه وكحديث «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» رواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس، وفي إسناده مقال، وقد حسنه النووي، وفي معناه آثار تُقَوِّيهِ سنذكر بعضها، وأقل ما يقال في هذه الروايات: إنها مخصصة للحديث الذي ذكروه ومنها حديث النية. قال البخاري في كتاب الطلاق من صحيحه: «باب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك وغيره» يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». ثم قال فيه: وقال عثمان: ليس لمجنون ولا لسكران طلاق. وقال: ابن عباس طلاق السكران والمستكره ليس بجائز.

    قال الحافظ ابن حجر في شرحه لعنوان الباب: اشتملت هذه الترجمة على أحكام يجمعها أن الحكم إنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر، وشمل ذلك الاستدلال بالحديث؛ لأن غير العاقل المختار لا نية له فيما يقول أو يفعل وكذلك الغالِط والناسي والذي يُكره على الشيء. ثم قال الحافظ: وقد اختلف السلف في طلاق المكره، فروى ابن أبي شيبة وغيره عن إبراهيم النخعي أنه يقع قال: لأنه شيء افتدى به نفسه، وبه قال أهل الرأي (يعني الحنفية) وعن إبراهيم تفصيل آخر: إنْ وَرَّى المكره لم يقع وإلا وقع. وقال الشعبي: إن أكرهه اللصوص وقع وإن أكرهه السلطان فلا. أخرجه ابن أبي شيبة، ووجه بأن اللصوص من شأنهم أن يقتلوا من يخالفهم غالبًا بخلاف السلطان. (قال): وذهب الجمهور إلى عدم اعتبار ما يقع فيه. واحتج عطاء بآية النحل ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]. قال عطاء: الشرك أعظم من الطلاق. أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح، وقرره الشافعي بأن الله تعالى لما وضع الكفر عمن تلفظ به حال الإكراه، وأسقط عنه أحكام الكفر، فكذلك يسقط عن المكره ما دون الكفر؛ لأن الأعظم إذا سقط سقط ما دونه بطريق الأولى، وإلى هذه النكتة أشار البخاري بعطف الشرك على الطلاق في الترجمة، اهـ كلام الحافظ.

    وقال الإمام الشوكاني في شرح حديث «لا طلاق في إغلاق» من كتابه نيل الأوطار ما نصه: وقد استدل بهذا الحديث من قال: إنه لا يصح طلاق المكره، وبه قال جماعة من أهل العلم: حكى ذلك في البحر عن علي وعمر وابن عباس وابن عمر والزبير والحسن البصري، وعطاء ومجاهد وطاوس وشريح والأوزاعي والحسن ابن صالح والقاسمية والناصر والمؤيد بالله ومالك والشافعي، وحكي أيضًا وقوع طلاق المكره عن النخعي وابن المسيب والثوري وعمر بن عبد العزيز وأبي حنيفة وأصحابه، والظاهر ما ذهب إليه الأولون إلخ. يعني أن الصواب قول الجمهور وشَرَعَ في الاستدلال عليه.

    وحاصل ما تقدم أن من حلف بالله أو بالطلاق مكرهًا لا تنعقد يمينه ولا يجب عليه به شيء سواء كان اليمين بالله تعالى أو بالطلاق، وأن هذا ما كان عليه جمهور المسلمين من الصحابة والتابعين والعترة النبوية وأئمة الأمصار، وأن أدلتهم عليه الكتاب والسنة والقياس الصحيح، فالمطلوب من كل ذي دين أن لا يمنعه ذلك عن النصح لأمته ووطنه، وعلى المستفتين لنا وأمثالهم أن ينصحوا لأمتهم بانتخاب من يرونه أصلح للقيام بأعباء النيابة عن الأمة، وأقدر عليها وأخلص فيها: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: 4].

    [1] المنار ج25 (1924) ص732-737.
    [2] سيأتي تحسين بعض أهل الجرح والتعديل له. ‏المنار ج25 (1924) ص735 الحاشية.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 658 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات