• رأي أمير المؤمنين علي رضي الله عنه واحتياطه في أكله

    نذكر هذا السؤال بمعناه، وهو أن صاحب مجلة الهلال قال في ترجمة سيدنا علي كرّم الله وجهه في المجلد السادس (ص202 و203): إنه كان ضعيف الرأي ولذلك فشل في مسألة الخلافة، «وإنه لم يكن يأكل طعامًا لا يعرف صانعه وحامله، فكان يختم على جراب الدقيق الذي يأكل منه.

    وسئل مرة عن سبب ذلك فقال: لا أحب أن يدخل بطني إلا ما أعلم. والظاهر أنه كان يفعل ذلك مخافة أن يغدر به أعداؤه فيميتوه مسمومًا» اهـ هذه عبارة الهلال. وقد استبشعها السائل، وكتب إلينا أولًا فأجبناه بكتاب خاص بأن ما ذكره في الهلال حكاية فهو منقول، فكتب يلح منفعلًا بوجوب الجواب في المنار فنقول فيه[1]:

    إن الإمام عليًّا لم يكن يجهل من الرأي ما كان يشير به عليه بعض الذين ظنوا أنه ضعيف الرأي كما يعلم من خبر المغيرة معه، وإنما كانت السياسة تقضي في عهده بأن يقر بعض العمال ذوي العصبية كمعاوية على أعمالهم، مع اعتقاده بأنهم كانوا ظالمين، ولكن وجد أن الدين كان أقوى عنده من دهاء السياسة، حتى لا يستطيع أن يعمل ولا أن يقر إلا ما يعتقده حقًّا وعدلًا. وهذا هو السبب الصحيح في فشله فقد كان الدين عنده أمرًا وجدانيًّا عقليًّا لا نظريًّا فقط، وسبب ذلك أنه تربى عليه عملًا في حجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال عبد الباقي رَبيب طه حبيب الله أنت ومَن ... كان المربي له طه فقد برع

    وأما مسألة الأكل فقد كان سببها الورع. وما استظهره صاحب الهلال في غير محله، فإنه قياس على حال بعض الملوك الجبناء الظالمين الذين فتنوا بِحُبِّ طول البقاء والنعيم والخوف من الرعية. وما أبعد الفرق! والمؤرخون كصاحب الهلال يأخذون الخبر على ظاهره، ويستنبطون منه ما يسبق إلى خواطرهم بحسب معرفتهم وتأثير عصرهم. أما الأثر فقد رواه أبو نعيم في الحلية بسنده إلى عبد الملك بن عمير، قال: حدثني رجل من ثقيف أن عليًّا استعمله على عكبري.

    قال: ولم يكن السواد يسكنه المصلون، وقال لي: إذا كان الظهر فرح إليَّ، فرحتُ إليه فلم أجد عنده حاجبًا يحجبني دونه، فوجدته جالسًا، وعنده قدح وكوز من ماء.

    فدعا بظبية[2]، فقلت في نفسي: لقد أمنني حين يُخْرِج إلي جوهرًا، ولا أدري ما فيها، فإذا عليها خاتم، فكسر الخاتم فإذا فيها سويق، فأخرج منها فصبَّ في القدح، فصب عليها ماء، فشرب وسقاني، فلم أصبر فقلت: يا أمير المؤمنين، أتصنع هذا بالعراق؟ وطعام العراق أكثر من ذلك. قال: «أما والله ما أختم عليه بخلًا عليه، ولكن أبتاع قدر ما يكفيني، فأخاف أن يفنى فيوضع من غيره، وإنما حفظي لذلك، وأكره أن أدخل بطني إلا طيبًا». وأخرج أبو نعيم أيضًا من طريق سفيان، عن الأعمش قال: كان علي يغدّي ويعشّي (أي الناس)، ويأكل هو من شيء يجيئه من المدينة. وذكر الأثر الأول، من غير حكاية الراوي، صاحب القوت، والغزالي في كتاب الحلال والحرام، من (الإحياء) واتفقوا على أنه من الورع. والواقعة صريحة فيه.

    وهكذا كانت سيرة المتقين من الخلفاء الراشدين، وكبار الصحابة والتابعين. روى البخاري من حديث عائشة قالت: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يومًا بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ قال: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية فأعطاني. فأدخل أصبعه في فيه، وجعل يقيء، حتى ظننت أن نفسه ستخرج، وقال: اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء. وروى أبو نعيم في الحلية بسنده إلى زيد بن أرقم قال: كان لأبي بكر مملوك يغلّ عليه فأتاه يومًا بطعام، فتناول منه لقمة، فقال له المملوك: ما لك كنت تسألني كل ليلة ولم تسألني الليلة؟ قال: «حملني على ذلك الجوع، من أين جئت بهذا؟ قال: مررت بقوم في الجاهلية فرقيت لهم فوعدوني؛ فلما كان اليوم مررت بهم فأعطوني. قال: أَُفٍّ لك كدت أن تهلكني». فأدخل يده في حلقه فجعل يتقيأ، وجعل لا يخرج.

    فقيل له: إن هذه لا تخرج إلا بالماء، فدعا بعس من ماء، فجعل يشرب ويتقيأ حتى رمى بها.

    فقيل له: رحمك الله كل هذا من أجل هذه اللقمة؟ قال: لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ» فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة. ورواه غيره.

    وروى مالك من طريق زيد بن أسلم قال: شرب عمر لبنًا فأعجبه فسأل الذي سقاه: من أين لك هذا اللبن؟ فأخبره أنه ورد على ماء قد سماه؛ فإذا نَعمٌ من نَعَم الصدقة وهم يسقون، فحلبوا لي من ألبانها فجعلته في سقائي فهو هذا، فأدخل عمر يده فاستقاءه. هذا بعض شأنهم في الورع والاحتياط في المأكل. ولم يكن عهد أبي بكر وعمر كعهد علي في تهاون الناس بالحلال والحرام، ولذلك بالغ هو في الاحتياط في سفره. وحاشا أن يمس الخوفُ من السم ذلك القلب المملوء إيمانًا وشجاعة.


    [1] المنار ج7 (1904) ص299.
    [2] الظبية جراب صغير من جلد الظبية عليه الشعر.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 66 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة