• الأسئلة الباريسية

    أرسل إلينا الكتاب الآتي من باريس[1] صديقنا أحمد بك زكي[2] الكاتب الثاني لأسرار مجلس النظار بمصر، فأثبتناه برمته ليطَّلَع القراء على ما يدل عليه من عناية علماء الفرنج بالمباحث الإسلامية الأساسية، وأهمها مسألة الاجتهاد والتقليد التي قلما يخلو جزء من المنار من الخوض فيها، وتنويهًا بفضل صديقنا الذي يصرف إجازته في أوربا مشتغلًا بمباحثة العلماء ومثافنة الفضلاء من حيث يشتغل أكثر المصريين هناك باللهو واللعب والانغماس في الملاذ، وهذا نص الكتاب: باريس في 8 يوليو سنة 1904 «سيدي الأستاذ الفاضل: أحمدُ إليك الله الذي وفقك لخدمة دينه الكريم، ورفع مناره بمنارك القويم. وبعد: فقد اجتمعت مع كثير من أفاضل المتشرعين وتباحثنا في النواميس الإلهية والوضعية، وإظهار مزايا كل منهما في الهيئة الاجتماعية، وانساق الحديث إلى ذكر الاجتهاد، وإقفال بابه في الشرع الإسلامي، فأجبت القوم بما في محفوظي وما كان عالقًا بذاكرتي على قدر الإمكان، ثم وعدتهم بتفصيل أوسع وبيان أوفى. ولَمَّا كنتم وقفتم أنفسكم على أمثال هذه المباحث السامية جئت راجيًا من بحر معارفكم أن تكتبوا خلاصة في مناركم الزاهر على الأسئلة الآتي بيانها. وأرجو أن لا تُحِيلوني على ما سبق لكم كتابته في هذا الموضوع في الأعداد القديمة والسنوات الماضية فإنما غرضي هو خلاصة وجيزة جامعة لأترجمها لأولئك الأفاضل ليعرفوا أن في السويداء رجالًا، وأن الشرق لا يزال عامرًا بأرباب العقول الكبار. وهذه خلاصة المسائل:

    (1) ما هو مدلول الاجتهاد بالتفصيل والتوسع المناسب للمقام؟

    (2) ما معنى قولهم: أُقْفِل باب الاجتهاد؟

    (3) ما معني هذه العبارة عند العامة وعند أهل التحقيق؟

    (4) متي أقفل باب الاجتهاد، وماذا ترتب على هذا الإقفال من المنافع والمضار؟

    (5 و6) ما هو القانون بوجه التدقيق ومن الوجهة العلمية -ونعني بالقانون ذلك النظام الذي يضعه الحاكم في مقابلة الشرع- وما هي خواصه ومميزاته؟

    (7) ما هو الفرق بين الشرع والقانون؟

    (8) إلى أي حد تمتد سلطة الحاكم في وضع القوانين؟

    (9) ما هي الكتب والمباحث (لعله أراد الرسائل فسبق القلم) التي خاض أصحابها في غمار هذا الموضوع (أي الأسئلة الثمانية المتقدمة)؟

    (10) ما هي المدارس الإسلامية التي يجوز مقارنتها بالأزهر، ونعني بها تلك التي في غير أرض مصر (وذكر أشهر البلاد والأقطار)؟ هذه هي خلاصة الأسئلة التي أرجو المبادرة إلى الإجابة عنها مع التحقيق المعهود من علمكم الواسع، والإشارة إلى مآخذ الأجوبة. وغاية الأمل الاهتمام بها والإسراع في كتابة الرد، وما ذلك على فضلكم بعزيز. والله يحفظكم لخدمة ملته ودينه والسلام من المخلص». ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم. وقد يُخَصُّ الشرع بالأحكام العملية الفرعية، وقد يطلق على القضاء أي حكم القاضي. ذكر ذلك كله في كشاف اصطلاحات الفنون وغيره. فالقانون يختص عندهم بما وراء ذلك فهو يتناول جميع ما يضعه أولو الأمر من الأحكام النظامية والسياسية، وتحديد عقوبات التعزير وغير ذلك مما يحتاج إليه بشرط أن لا يخالف ما ورد في الشرع.

    والفرق بينه وبين الشرع أن أحكام الشرع لا بد أن تستند إلى أحد الأدلة الأربعة -الكتاب والسنة والإجماع والقياس- وأحكام القانون تكون بمحض الرأي، وأن أحكام الشرع يجب العمل بها دائمًا ما لم يعرض مانع يلجئ إلى ارتكاب أخف الضررين، وأحكام القانون يجوز تركها واستبدال غيرها بها لمجرد الاستحسان.

    مثال ذلك: أنه لا يجوز للحكومة أن تزيد في نصيب أحد الوارثين لمصلحة من المصالح، أو لسبب من الأسباب، ولكن يجوز أن تزيد في راتب العامل إذا ظهر لها مصلحة في ذلك لأن الأول حكم إلهي لا يتغير، والثاني حكم قانوني مفوَّض لأولي الأمر.

    - إلى أي حد تمتد سلطة الحاكم في وضع القوانين؟ الجواب: أن حدود هذه السلطة منها: سلبية، وهي عدم تعدي حدود الله تعالى، فليس للحاكم أن يحل حرامًا أو يحرم حلالًا، أو يزيد في الدين عبادة، أو ينقص منه عبادة، أو يظلم شخصًا أو قومًا، أو يميز نفسه أو أسرته أو قومه على سائر الرعية لذاتهم فضلًا عن تمييز غيرهم.

    ومنها: إيجابية كالتزام العدل والمساواة في الحقوق ومشاورة أهل الرأي من الأمة ومراعاة قاعدة وجوب درء المفاسد وجلب المصالح.

    - ما هي الكتب التي خاض أصحابها في غمار هذا الموضوع...إلخ؟ الجواب: أما مباحث الاجتهاد والتقليد فإنك تجدها في جميع كتب أصول الفقه وتجد شيئًا منها في كتب الفروع عند الكلام في المفتي والقاضي وشروطهما، وفي كتب الكلام في مبحث الإمامة، وأبسط كتاب في ذلك أعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم رحمه الله تعالى فهو كتاب لا نظير له في بابه، وقد طُبع في الهند وصفحات جزأَيْه تزيد على 600 من القطع الكامل، وكتاب إيقاظ همم أولي الأبصار[3]. وهناك رسائل نفيسة لابن تيمية والسيوطي ولولي الله الدهلوي ولغيرهما.

    وأما الكلام في القوانين فقد تقدم أن علماءنا لم يخوضوا فيه، ويمكن أخذ ما ذكرناه في ذلك من مباحثهم في حقوق الإمام وأحكام القضاء، وذلك متفرق في كتب الفقه كلها، وفيه كتاب الأحكام السلطانية للماوردي[4] صاحب كتاب أدب الدنيا والدين[5]. وإذا شاء السائل زيادة الإيضاح ببيان أسماء طائفة من الكتب في ذلك فليراجعنا في ذلك.

    - ما هي المدارس الإسلامية التي يجوز مقارنتها بالأزهر...إلخ؟ الجواب: إن هذه المدارس لا حد لها، ولا يمكن عدها إذا أريد بمقارنتها بالأزهر كونها تُعنى بالعلوم الشرعية التي يُعنَى الأزهريون بها وبمبادئها من فنون اللغة العربية، فإن في أكثر الأمصار الإسلامية مدارس تعلم هذه العلوم، وأشبهها بالأزهر مدرسة جامع الزيتونة في تونس، ومدرسة جامع القرويين في فاس، ولكن الأزهر يفضل هذين الجامعين بوفود الطلاب إليه من جميع الأقطار التي يقيم فيها المسلمون، ويشبه هذه المدارس الثلاث مدرسة النجف في العراق لطائفة الشيعة، وهناك يتخرج مجتهدوهم، بل هذه أشبه بالأزهر من مدرستي تونس وفارس؛ إذ يقصدها الشيعة من إيران والهند وسائر البلاد التي تتبوأها هذه الطائفة. وعلماء الإسلام في سائر البلاد يقرؤون العلوم الدينية، ووسائلها في المساجد الجوامع وغير الجوامع، ويقصد هذه المساجد في المدن الكبيرة بعض أهل القرى القريبة منها. والقسطنطينية مقصد لجميع البلاد التركية - هذا مجمل علمنا في ذلك. هذا وإننا قد أجبنا عن مسائل الاجتهاد والشرع والقانون بما في الكتب المصنفة أو ما تشهد له تلك الكتب؛ لأن الأسئلة تشعر بأن هذا هو الذي يريده السائل، وفي المقام كلام آخر شرحه المنار مرات كثيرة مع أدلته وحججه من الكِتَاب والسُّنة وآثار السلف الصالح، وخلاصته أن ما جاء به الإسلام ينقسم إلى أقسام:

    أحدها: العقائد وأصول الإيمان، وهي على قسمين: قسم يطالب القرآن بالبراهين العقلية عليه، ويشترط فيه العلم اليقين، وهو الإيمان بوحدانية الله تعالى وعلمه وقدرته ومشيئته وحكمته في نظام الخلق وتدبيره وببعثة الرسل. وقسم يأمر فيه بالتسليم بشرط أن لا يكون محالًا في نظر العقل كالإيمان بعالم الغيب من الملائكة والبعث والدار الآخرة.

    ثانيها: عبادة الله تعالى بالذكر والفكر والأعمال التي تربي الروح والإرادة كالصلاة التي تذكر الإنسان بمراقبة الله تعالى، وترفع همته بمناجاته والاعتماد عليه حتى يكون شجاعًا كريمًا، وكالزكاة التي تعطفه على أبناء جنسه وتعلمه الحياة الاشتراكية المعتدلة الاختيارية، وكالصيام الذي يربي إرادته ويعوده على امتلاك نفسه بالتمرن على ترك مادة الحياة باختياره زمنًا معينًا مع الحاجة إليها، وتيسر تناولها بدون أن يلحقه لوم أو أذى، ويشعر الغني بالمساواة بينه وبين الفقراء، وكالحج الذي يبعث في نفوس الأمة حب التعارف والتآلف بين الشعوب المختلفة، ويقوي فيها رابطة الاجتماع، ويحيي في أرواح الشعوب الشعور بنشأة الدين الأولى بقصد مشاهدها. والطوف في معاهدها والتآخي في مواقفها، وبعلمهم المساواة بين الناس بتلك الأعمال المشتركة كالإحرام وغيره.

    ثالثها: الآداب ومكارم الأخلاق وتزكية النفس بترك المحرمات وهي الشرور الضارة وتحري عمل الخير بقدر الطاقة.

    رابعها: المعاملات الدنيوية بين أفراد الأمة، أو بين الأمة وغيرها من الأمم ويدخل فيها الأمور السياسية والمدنية والقضائية والإدارية بأنواعها.

    فأما القسم الأول فقد علمنا أن منه ما يؤخذ بالبرهان، ومنه ما يؤخذ بالتسليم لما ورد في كتاب الله تعالى والسنة المتواترة القطعية، وهو برهانه، ولا يؤخذ فيه بأحاديث الآحاد وإن كانت صحيحة السند؛ لأنها لا تفيد إلا الظن، والاعتقاد يطلب فيه اليقين بلا خلاف. فهذا القسم لا اجتهاد فيه بالمعنى الذي فسروا به الاجتهاد، ولا تقليد.

    وأما القسم الثاني فالواجب فيه على كل مسلم أن يأخذ ما ورد في الكتاب العزيز، وما جرت به السنة في بيانه على طريقة القرآن من قرن كل عبادة ببيان فائدتها، وهذا القسم ليس للمجتهدين أن يَزِيدُوا فيه ولا أن ينقصوا منه؛ لأن الله تعالى قد أتمه وأكمله، وهو لا يختلف باختلاف الزمان والعرف فيفوّض إليهم التصرف فيه. ولا يسع أحدًا التقليد فيه أي الأخذ بآراء الناس، بل يجب على العلماء أن يبلغوه للمتعلمين تبليغًا.

    وأما القسم الثالث فما ورد فيه من نص على حلال أو حرام فليس لمجتهد أن يغيره.

    وقد أطلق القرآن الأمر بعمل الخير والمعروف، والنهي عن الشر والمنكر وترك فهم ذلك لفطرة الناس، فيجب أن يلقن كل مسلم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ[٧] وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ[٨]﴾ [الزلزلة: 7 - 8]، وأن يترك إلى اجتهاده تحديد الخير والشر مع بيان ما جاء فيه من التفصيل في الدين وهو قسمان: معلوم من الدين بالضرورة كخيرية الصدق والعفة والأمانة وشرية الزنا والسكر والقمار. وغير معلوم إلا للمشتغلين بالعلم كوجوب مساواة المرأة للرجل، والكافر للمسلم، والعبد للحر في الحقوق أمام العدل، وكتحريم عضل الولي -وان كان والدًا- موليته أي امتناعه عن تزويجها ممن يخطبها بغير عذر. فالأول لا اجتهاد فيه ولا تقليد، والثاني يجب أن يعرف تحريمه بدليله العام ككون كل نافع خيرًا، وكل إيذاء شرًّا وحرامًا، وبديله الخاص إن وجد، وليس لأحد أن يقول في الإسلام: هذا حلال وهذا حرام، فيقلد ويؤخذ بقوله بدون دليل. وهذه الأمور كلها دينية محضة يتقرب بها إلى الله تعالى من حيث هي نافعة ومرتبة للناس فيجب أن يكون الناس فيها على بصيرة.

    بقي القسم الرابع: وهو الذي لا يمكن أن تحدد جزئياته شريعة عامة دائمة لكثرتها، ولاختلافها باختلاف الزمان والمكان، والعرف والأحوال من القوة والضعف وغيرهما، ولا يمكن لكل أحد من المكلفين أن يعرف هذه الأحكام، كما أنه لا يحتاج إليها كل واحد. فهي التي يجب فيها الاجتهاد والاستنباط من أولي الأمر ويجب فيها تقليدهم واتباعهم على سائر الناس، ولذلك لم يحدد الدين الإسلامي كيفية الحكومة الإسلامية، ولم يبين للناس جزئيات أحكامها، وإنما وضع الأسس التي تُبْنى عليها من وجوب الشورى، وحجية الإجماع الذي هو بمعنى مجلس النواب عند الأوربيين، وتحري العدل والمساواة، ومنع الضَرَر والضِرَار، وقد حدثت أقضية للناس في زمن التنزيل منها ما نزل فيه قرآن، ومنها ما حكم فيها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بما أراه الله تعالى؛ فكانت تلك القواعد العامة وهذه الأحكام نبراسًا لأولي الأمر الذين فوض الشارع إليهم وضع الأحكام باجتهادهم فهم في ضوئها يسيرون. فلك أن تسمي كل ما يضعونه شرعًا إذا وافق ذلك؛ لأنهم مأذونون به من الشارع، وقد بنوه على القواعد التي وضعها، ولك أن تسميه قانونًا لأنه قواعد كلية، وأحكام وضعية يمكن الرجوع عنها إذا اقتضت المصلحة ذلك. فقد غير بعض الخلفاء الراشدين ما وضعه البعض، بل أمر عمر رضي الله تعالى عنه في عام الرمادة أن لا يُحَدَّ سارق لاضطرار الناس بسبب المجاعة. وكانوا لا يقيمون الحدود على المحاربين في زمن الحرب، ومنه ترك سعد إقامة حد السكر على أبي محجن عندما أبلى في الفرس وأنقذ المسلمين بعدما كادوا يُغْلَبون، كل ذلك لأجل المصلحة، وإن استزدتنا من الدلائل زدناك.
     

    نشكر لصديقنا حسن ظنه بنا، ونذكر أسئلته ونجيب عنها واحدًا بعد واحد على النسق المتبع عندنا في العدد المسلسل من أول سنتنا هذه فنقول وبالله التوفيق - ما هو مدلول الاجتهاد...إلخ؟ الجواب: قال في كشاف اصطلاحات الفنون[6]: «الاجتهاد في اللغة استفراغ الوسع في تحصيل أمر من الأمور مستلزم للكلفة والمشقة...، وفي اصطلاح الأصوليين: استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل[7] ظن بحكم شرعي. والمستفرغ وسعه في ذلك التحصيل يسمى مجتهِدًا بكسر الهاء». ثم ذكر بعد بحث في التعريف، والقول بتجَزِّي الاجتهاد -أي جواز كونه في بعض الأحكام دون بعض- شرط المجتهد فقال: «للمجتهد شرطان:

    (الأول) معرفة الباري تعالى، وصفاته، وتصديق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمعجزاته وسائر ما يتوقف عليه علم الإيمان، كل ذلك بأدلة إجمالية، وإن لم يقدر على التحقيق والتفصيل[8] على ما هو دأب المتبحرين في علم الكلام.

    و(الثاني) أن يكون عالمًا بمدارك الأحكام وأقسامها وطرق إثباتها، ووجوه دلالتها، وتفاصيل شرائطها، ومراتبها، وجهات ترجيحها عند تعارضها، والتفصي عن الاعتراضات الواردة عليها، فيحتاج إلى معرفة حال الرواة وطرق الجرح والتعديل وأقسام النصوص المتعلقة بالأحكام وأنواع العلوم الأدبية من اللغة والصرف والنحو وغير ذلك. هذا في حق المجتهد المطلق الذي يجتهد في الشرع»[9].اهـ. وتجد مثل هذا التعريف في عامة كتب الأصول، وقد توسَّع بعضهم في شروط المجتهد وأكثر منها، والبعض اكتفى حتى جعل الشاطبي في الموافقات[10] العمدة فيها فهم العربية متنًا وأسلوبًا ومعرفة مقاصد الشريعة، وأجاز تقليد المجتهد لغيره في الفنون التي هي مبدأ الاجتهاد. كأن يقلد المحدثين في كون هذا الحديث صحيحًا، وهذا ضعيفًا من غير أن يعرف هو حال الرواة وطرق الجرح والتعديل، وما قاله الشاطبي أقرب إلى الصواب فإن بعض ما اشترطوه في المجتهد لا ينطبق على بعض المتفق على إمامتهم، فقد اشترط بعضهم أن يعرف المجتهد كذا ألفًا من الأحاديث، ولم يعرف عن أبي حنيفة حفظ ذلك القدر ولا ما يقاربه، إذ لم تكن الرواية قد كثرت في عهده لا سيما في العراق وهو لم يسافر لأجلها. وقال صاحب الهداية في فقه الحنفية: «وفي حديث الاجتهاد كلام عرف في أصول الفقه، وحاصله: أن يكون (المجتهد) صاحب حديث، له معرفة بالفقه ليعرف معاني الآثار، أو صاحب فقه له معرفة بالحديث لئلا يشتغل بالقياس في المنصوص عليه. وقيل أن يكون مع ذلك صاحب قريحة يعرف بها عادات الناس، لأن من الأحكام ما يبنى عليها» اهـ.

    وقال صاحب فتح القدير في القيد الأخير: «فهذا القيد لا بد منه في المجتهد فمن أتقن معنى هذه الجملة؛ فهو أهل للاجتهاد فيجب عليه أن يعمل باجتهاده، وهو أن يبذل جهده في طلب الظن بحكم شرعي عن هذه الأدلة، ولا يقلد أحدًا» اهـ. واعتماده معرفة أحوال الناس وعاداتهم لا مندوحة عنه، وأنت تعلم أن المجتهدين الأولين لم يكن عندهم علم يسمى الفقه ينظرون فيه قبل الاجتهاد لتحقيق الشرط، على أن النظر في الفقه بعد تدوينه يعين على الاجتهاد بلا شك، وإنما قالوا الظن بالحكم؛ لأن الأحكام القطعية المعلومة من الدين بالضرورة لا اجتهاد فيها؛ لأن طلب معرفتها تحصيل حاصل كتحريم الظلم والخمر وفرضية الصلاة والعدل.

    وجملة القول أن الاجتهاد عندهم هو النظر في الأدلة الشرعية التي هي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس؛ لمعرفة أحكام الفروع التي لم تثبت بالأدلة القطعية المتواترة. والعمدة في شروطه فهم الكتاب والسنة، ومعرفة مقاصد الشرع والوقوف على أحوال الناس وعاداتهم؛ لأن أحكام الشريعة لا سيما المعاملات منها دائرة على مصالح الناس في معاشهم ومعادهم أي على قاعدة درء المفاسد وجلب المنافع.

    - ما معنى قولهم: أقفل باب الاجتهاد؟ الجواب: معناه أنه لم يبق في الناس من تتوفر فيه شروط المجتهد، ولا يرجى أن يكون ذلك في المستقبل.

    وإنما قال هذا القول بعض المقلدين لضعف ثقتهم بأنفسهم، وسوء ظنهم بالناس، وزعمهم أن العقول دائمًا في تدنٍ وانحطاط وغلوها في تعظيم السابقين.

    وقد رأيت أن تلك الشروط ليست بالأمر الذي يعز مثاله، وتعلم أن سنة الله تعالى في الخلق الترقي إلا أن يعرض مانع كما يعرض لنمو الطفل مرض يوقفه أو يرجعه القهقرى، ولذلك كان آخر الأديان أكملها.

    - ما معنى هذه العبارة عند العامة وعند أهل التحقيق؟ الجواب: العامة يقلدون آباءهم ورؤساءهم في قولهم: إن أهل السنة ينتمون إلى أربعة مذاهب من شذ عنها فقد شذ عن الإسلام ولا يفهمون أكثر من هذا.

    وأما المشتغلون بالعلم أو السياسة فالضعفاء المقلدون منهم يفهمون من الكلمة ما فسرناها به في جواب السؤال السابق، ويحتجون على ذلك بأن الناس قد اجتمعت كلمتهم على هذه المذاهب، فلو أجيز للعلماء الاجتهاد لجاءونا بمذاهب كثيرة تزيد الأمة تفريقًا، وتذهب بها في طريق الفوضى.

    والمحققون يعلمون أن منشأ هذا الحجر هو السياسة، فالسلاطين والأمراء المستبدون لا يخافون إلا من المعلم ولا علم إلا بالاجتهاد، فقد نقل الحافظ ابن عبد البر وغيره الإجماع على أن المقلد ليس بعالم، ونقله عنه ابن القيم في أعلام الموقعين[11] وهو ظاهر، إذ العالم بالشيء هو من يعرفه بدليله، وإنما يعرف المقلد أن فلانًا قال كذا، فهو ناقل لا عالم، وربما كانت آلة الفونغراف خيرًا منه.

    - متى أُقفل باب الاجتهاد؟ وماذا ترتب على هذا الإقفال من المنافع والمضار؟ الجواب: زعموا أنه أقفل بعد القرن الخامس، ولكن كثيرًا من العلماء اجتهدوا بعد ذلك، فلم يكونوا يعملون إلا بما يقوم عندهم من الأدلة، ولا يخلو زمن من هؤلاء كما صرح بذلك علماء الشافعية (انظر الخطيب وغيره) ولولا خوفهم من حكومات الجهل لبينوا للناس مفاسد التقليد الذي حرمه الله، ودعوهم إلى العمل بالدليل كما أمر الله، وقد علمت الحكومة العثمانية منذ عهد قريب بأن بعض علماء الشام يحملون تلامذتهم على ترك التقليد والعمل بالدليل، فشددت عليهم النكير حتى سكتوا عن الجهر بذلك، ولا نعرف في ترك الاجتهاد منفعة ما، وأما مضاره فكثيرة وكلها ترجع إلى إهمال العقل، وقطع طريق العلم، والحرمان من استقلال الفكر، وقد أهمل المسلمون كل علم بترك الاجتهاد فصاروا إلى ما نرى.

    - ما هو القانون بوجه التدقيق ومن الوجهة العلمية...إلخ؟ الجواب: قد فسر السائل الفاضل القانون وليس في كتب أصول الدين ولا فروعه شيء سمي بالقانون، ولكن الأحكام القضائية والسياسية منها ما تناوله علم الفقه، ومنها ما فوض النظر فيه إلى القضاة والأئمة (الأمراء) كالعقوبات التي وراء الحدود التي يطلقون عليها لفظ التعزير، وكطرق النظام للعمال والحكام وقواد الحروب. ولأولي الأمر أن يضعوا لأمثال هذه الأشياء قوانين موافقة لمصالح الأمة، وتعلم مميزات القانون من بيان الفرق بينه وبين الشرع في جواب السؤال الآتي.

    - ما هو الفرق بين الشرع والقانون؟ الجواب: الشرع والشريعة في اللغة مورد الشاربة، وفي اصطلاح الفقهاء: ما شرع الله تعالى لعباده من الأحكام الاعتقادية والعملية على يد نبي من الأنبياء عليهم السلام. ويعرّف أيضًا بما عرف به الدين وهو قولهم: وضع إلهي يسوق ذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات، وهو


    [1] المنار ج7 (1904) ص371-380.
    [2] هو شيخ العروبة أحمد زكي.
    [3] محمدًا علي بن علي التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون كلكته 1862. ص198.
    [4] وردت في المنار «في تحصيل».
    [5] وردت في المنار «التحصيل».
    [6] كشاف اصطلاحات الفنون ص199.
    [7] أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، القاهرة- المكتبة التجارية، لا. ت. ج2ص65-107.
    [8] أبو عبد الله محمد بن القيم الجوزية، أعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. القاهرة، مطبعة السعادة 1955. ج1ص45.
    [9] صالح بن محمد العمري الفلاتي، إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسنة سيد المهاجرين والأنصار. الهند، 1298.
    [10] أبو الحسن علي بن محمد الماوردي، الأحكام السلطانية. القاهرة مطبعة الوطن 1298.
    [11] أبو الحسن علي بن محمد الماوردي، أدب الدنيا والدين. بولاق 1898.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 68 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة