• فرض الجزية على أهل الكتاب وإلزام العرب الإسلام

    لماذا فرض الإسلام الجزية على اليهود والنصارى فقط، ولم يقبل من العرب سوى الإسلام أو السيف؟

    التحقيق أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب وإن كانوا عربًا، وقد أخذها النبي صلى الله عليه وسلم من أكيدر دومة، وكان هو وقومه عربًا من غسان، وكذا من نصارى نجران في صلحه لهم.

    وتؤخذ أيضًا من المجوس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» رواه الشافعي.

    وعن عليّ كرم الله وجهه أنهم كانوا أهل كتاب ففقد أو رفع، رواه عنه عبد الرزاق والشافعي، ويمكن الجمع بينه وبين الحديث المرفوع بأن لقب: أهل الكتاب، صار علمًا لليهود والنصارى وسببه معروف بيناه من قبل.

    وأما مشركو العرب فسياسة الإسلام فيهم أن يكونوا مسلمين وأن تبقى جزيرة العرب خالصة لهم، ولمن ساكنهم فيها من المسلمين، والحكمة في ذلك أن يبقى للإسلام دولة مستقلة في مهده تقيم شرائعه. وقد فصلنا هذا من قبل مرارًا.

    ومع هذا لم يكرههم على الإسلام إكراهًا، وقبل من بعضهم الجزية، وقد ظهر ولا يزال يظهر من حكمة سياسته ما نراه من إزالة الأعاجم لملك العرب.

    ثم شرع الإسلام من جميع بلاد الأعاجم إلا بقية قليلة أقواها في بلاد أفغانستان، وهم يتواطؤون ويتعاونون على التعدي على جزيرة العرب وحدها، وإزالة حكم الإسلام وسيادة العرب منها.

    فالإيرانيون الآن يتعاونون مع بعض الهنود من الشيعة وخرافي أدعياء السنة على سلب الحجاز نفسه من دولة السنة الحاضرة، وإن وقع في أيدي الأجانب، ولم نر أحدًا منهم احتج ولا أنكر إعطاء الشريف علي بن حسين قسمًا عظيمًا من أرض الحجاز للإنكليز، حتى إن شوكت علي ومحمد علي الزعيمين السياسيين في الهند يريدان أن تكون حكومة الحجاز جمهورية، والحق الأعظم في إدارتها للأعاجم ولهذا عادَيا ملك الحجاز وإمام السنة العربي ابن السعود؛ لأنه لم يقبل هذا.

    وقد كتب إليَّ بعض علماء الهنود الأحرار مرة أن ما كتبته في الخلافة وحق قريش فيها وكون الإسلام عربي اللغة هو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه قال: «ولكن هؤلاء الأعاجم من الهنود لا يرونه إلا لهذا الجيل من الترك»، يعني أنهم ينسخون قاعدة الصديق الأكبر والخليفة الأول رضي الله عنه في قوله: إن العرب لا ترى هذا الحق إلا لهذا الجيل من قريش.

    وسيظهر للمسلمين من عصبية الأعاجم من الغرائب ما لم يكن يخطر لهم ببال، ونكتفي الآن بهذا الإجمال، الذي كتبناه بمنتهى الاستعجال، وما زالوا يؤيدون خلافة الترك الباطلة الصورية على فسادهم التي نبذوها هي والإسلام وراء ظهورهم، واستبدلوا بشرعها شرائع الإفرنج، ومع هذا كله لا يزال الزعيمان شوكت علي ومحمد علي مستمسكين بها، ويضعون شارتها على صدرهم ورؤوسهم[1]!


    [1] المنار ج27 (1926) ص499-500.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 686 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة