• المراد بالطعن في الدين

    لصاحب الإمضاء القسيس ألفرد نيلسن الدانمركي في دمشق الشام - بنصه على غلطه في عبارته.

    لجناب الفاضل صاحب مجلة المنار الأستاذ رشيد رضا المحترم.

    قد وصلني جزء المنار الخامس، فقرأت فيه قرار النيابة العامة عن كتاب الدكتور طه حسين وما علقه المنار عليه.

    وإذ لم أتيسر للحصول على نسخة من الكتاب المذكور حيث منعته الحكومة، لم أقرأ منه إلا ما طبعته جريدة الميزان في دمشق، ولكني مع ذلك سأوجه لكم الكلمات التالية فيها سؤالان أرجو إجابتكم إياهما في المنار.

    ولربما تتعجبون من ذلك كما تعجبتم مرة من قبل عند ما سألتكم بعض الأسئلة فجاوبتم عليها في المنار، ولا بد أن سبب تعجبكم هو الفكر الغارس فيكم أنه من واجبات المبشر المسيحي أن يطعن في الإسلام، ولكني أتأمل أن المستقبل سيزيل هذا الفكر عنكم وعن بقية المسلمين، فيدرك الجميع أن المسيحي لا يبشر بالمسيح بين المسلمين إلا لاعتقاده بوجود بشارة في ديانته المسيحية ليس لها وجود في الإسلام، ولا يمكن وجودها فيه مع كل ما يحتويه القرآن من الأوامر والنواهي المفيدة، حيث يرفض الاعتقاد بموت المسيح على الصليب وقيامته من بين الأموات.

    وذلك ليس فقط اعتقاد بولس كما يقال ولكنه يظهر بكل وضوح من سفر أعمال الرسل، ومن رسائل بطرس ويوحنا أن موت المسيح وقيامته هما محور تعليم الرسل، فأساس الديانة المسيحية منذ الأول، ولكن ليس قصدي هنا أن أطيل الكلام في هذا الموضوع، بل أتقدم إلى السؤالين الناتجين عن قراءتي جزء المنار الخامس.

    وأولهما: ما هو معني الطعن في الدين؟ إنه ليس من أمري ولا من مقدرتي أن أحكم فيما إذا كانت استنتاجات الدكتور طه حسين ثابتة أم لا علميًّا، ولكنه -بحسب ما يفهم من كتابه- وصل إليها عن مبادئه العلمية دون غاية أخرى، فهل يجوز تسميتها طعنًا في الدين؟ أليس معنى الطعن نوعًا من الاستهزاء والاحتقار؟ أما إذا كان طعنًا كل ما يقال عن ديانة خلاف عقائدها، فكيف نتجنب عنه في بلاد يسكنها المسلم بجانب المسيحي واليهودي، وكل منهم لا يعتقد بعقائد الآخر بل يرفضها؟ أفيكون كل ما يقولونه عن دين بعضهم لبعض طعنًا وهم يتكلمون به عن ضمير صالح، وإن كانت أدلتهم غير مقبولة وغير مُسلّم بها عند الخصم؟ أما الطعن إذا كان بمعنى الاستهزاء والاحتقار، فيمكن التجنب عنه، بل هو واجب.

    المنار: ما ذكرتم في مقدمة السؤال من توقع تعجبي من سؤالكم فخطأ، وما قلتم في الدفاع عن المبشرين وتبرئتهم من الطعن في الإسلام، فقد طعن فيه بعضهم بالمعنى الذي به فسرتم الطعن، وكذلك قولكم: إن المسيحي لا يبشر بالمسيح بين المسلمين إلا لاعتقاده... فقد عرفنا من بعض المبشرين أنهم كانوا مستأجرين للتبشير فلما وجدوا رزقًا من طريق آخر تركوه البتة، وقولكم فيها: إن كتاب أعمال الرسل ورسائل بطرس ويوحنا تثبت موت المسيح وقيامته لا يقوم حجة على المسلمين، لعدم ثبوت هذه الرسائل عندهم، وأنتم لا يمكنكم إثباتها بالتواتر إلى مؤلفيها، كما علم مما كتبه علماء أوربة المحققون في تاريخها.
     

    الجواب عن السؤال: الطعن في أصل اللغة قد وضع لمعناه الحسي المعروف وهو الطعن بالرمح أو الحربة، ثم أُطلق على الذم والهجو والتكذيب والتحقير القولي الذي يؤذي المطعون فيه إيذاء نفسيًّا، كما يؤذيه الطعن بالرمح أو الحربة إيذاءً بدنيًّا، وما كتبه طه حسين في كتابه المذكور قد آذى المسلمين وآلمهم، فصدق عليه أنه طعن في دينهم.

    فالمسألة من المسائل التي تُعرف بالبداهة.

    وأما إذا نقل أحد من النصارى أو المسلمين أو اليهود نصوصًا من كتب الآخرين مع الأدب في العبارة وبحث في أدلتها، وقال: إنها لم تصح عنده أو عند أهل ملته وإن ما يعارضها عندهم هو الذي يعتقدون صحته، فإن هذا لا يعدّه أحد طعنًا، ومنه ما كتبه السائل في مقدمة سؤاله هذا وما رددناه به، فهو ليس طاعنًا في الإسلام بتلك العبارة ولا نحن طاعنون في النصرانية بردنا[1].

    [1] المنار ج28 (1927) ص580-581.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 718 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات