• كون مخالفة القرآن كفرًا

    إذا وصل مسلم في أبحاثه العلمية إلى نتيجة تخالف شيئًا من تعاليم القرآن أو من العقائد الإسلامية فهل يحسب لذلك كافرًا أو طاعنًا في الدين، ولو كان لم يزل يعتبر نفسه مسلمًا في الأمور الدينية والأدبية؟ إذا قال عالم مسلم بعد دروس علمية بعدم وجود إبراهيم التاريخي فهل بطل إسلامه؟ أم بصورة أخرى: هل يجب على المسلم أن يعتبر كل ما يقال في القرآن من الأمور التاريخية والطبيعية أساسًا متينًا لا يجوز له أن يخالفه بشيء؟ ودمتم.
     

    من يعتقد اعتقادًا مخالفًا لنص القرآن القطعي الدلالة، عالمًا غير متأوّل بحيث يعتقد أن خبر القرآن غير حق، فلا شك أنه لا يُعَد من جماعة المسلمين.

    فمن أنكر وجود آدم أو إبراهيم وإسماعيل فهو كافر لأنه مكذِّب لكلام الله تعالى، لا من تأول قصة آدم في معصيته وتوبته وسجود الملائكة له إلا إبليس، وما ورد في شأن إبليس من التخاطب مع الرب عز وجل فقال: إن كل خطاب فيها تكويني لا تكليفي، وإنها تمثيل لسنن الله تعالى في النشأة الآدمية البشرية، فمن يقول بهذا (وقد قال به بعض علماء المسلمين كما تراه في تفسيرنا) لا يعد مكذبًا للقرآن كمنكر وجود آدم وإبراهيم وإسماعيل بشبهة عدم ثبوت وجودهم بدليل علمي، فإنه ليس من شأن قواعد العلم العقلي أو الطبيعي إثبات وجود زيد وعمرو أو نفيه كما سيأتي.

    وهذا الذي صدر عن مصطفى كمال باشا ورجال حزبه من الترك كفر محض، وارتداد عن الإسلام لا شبهة فيه.

    وهم يقصدون به هذا الارتداد بغضًا في الإسلام وعداوة له، وأما السواد الأعظم من الشعب التركي فلا يزالون على دين الإسلام وتقاليده كما عرفوها، وهم يتربصون الدوائر بهؤلاء الذين يجبرونهم على الكفر بقوة الشعب ومال الشعب وجند الشعب.

    وأما ما ارتأيته أن المسلمين المتنورين سيغيرون اعتقادهم في القرآن بعد مدة وجيزة فيميزون بين الأمور الدينية والأدبية من جهة، وبين الأمور التاريخية والعلمية من جهة أخرى، فيجعلونه معصومًا في الأولى دون الثانية كما فعل النصارى، فهو بعيد.

    وإنما قرّبه إلى ذهنك قياس الإسلام على النصرانية وقياس القرآن على العهدين القديم والجديد، والفرق بين الأمرين مثل الصبح ظاهر، وفرضك إمكان قيام أدلة علمية تنفي وجود إبراهيم عليه السلام غير معقول، لأن هذا النفي ليس مما يثبت بالعلم.

    فإن وجود إبراهيم وإسماعيل متواتر عند الإسرائيليين وعند العرب، وإن نازعنا منازع في التواتر التاريخي المتصل، وفي الأنساب المتسلسلة به المثبتة له علميًّا فلا يمكن الإتيان بدليل ينفي وجوده علميًّا، لأن نفي وجود شيء في القرون الخالية لا يمكن إلا إذا كان وجوده محالًا عقلًا، ووجود رجل اسمه إبراهيم غير محال عقلًا، وقد جاء خبر الوحي مؤيدًا لخبر البشر المشهور أو المتواتر وهو أقوى منه متى ثبتت صحة الوحي وهي ثابتة عند أهلها، فإذًا لا يمكنهم الجمع بين التصديق بالوحي وإنكار وجود إبراهيم.

    نعم قد يوجد شبهات تاريخية قوية تعارض إثبات وجود رجل مشهور خبره غير متواتر أو تُعارِض دعوى تواتره كقول بعض من أنكر وجود المسيح عليه السلام: إن يوسيفوس مؤرخ اليهود الشهير لم يذكره في تاريخه مع أنه كان في العصر الذي قالوا إنه وجد فيه، وقد ذكر من تاريخ اليهود ما هو دون مسألة وجود المسيح، فليس من المعقول أن يحفل بتلك الأخبار الصغيرة ويسكت عن هذا النبأ العظيم الذي هو أهم ما عُزي إلى تاريخ قومه عندهم، إذ كانوا كلهم ينتظرون قيام المسيح ولا يزالون كذلك إلى اليوم.

    وقد رددنا هذه الشبهة بأنها أمر سلبي قد يكون له علة أقربها إلى التصور أن هذا المؤرخ لم يُصَدِّق دعوى المسيح، فأحب أن لا يذكرها لئلا تكون فتنة لبعض قارئي كتابه فيكون كالداعية له.

    ومثل ذلك إنكار بعضهم لوجود (هوميروس) شاعر اليونان وزعمهم أنه رجل خيالي نُسب إليه ذلك الشعر الكثير البليغ، ولا بدع في ذلك فالقصص الخيالية والأبطال الخياليون مما عُهد وكثر في تاريخ الإغريق، ومثله (مجنون ليلى) في تاريخ العرب المشهور أنه رجل من بني عامر اسمه قيس كان يعشق امرأة اسمها ليلى، وجن بحبها فلُقب بمجنون ليلى وشبب بها بأشعار اشتهرت في الأدب العربي شهرة واسعة، وقيل: إن هذه الأشعار لرجل من بني أمية نسبها إلى قيس العامري، لأجل إخفاء اسمه.

    بقي شيء لا ينكره علماء المسلمين وهو يقرب مما عليه أهل الكتاب في التفرقة بين ما جاء به الدين من أصول الإيمان بالله واليوم الآخر وعالم الغيب، وأصول الآداب الدينية والعبادات وأحكام التشريع، وبين ما يذكر في الكتب الإلهية من أمور الخلق والتكوين وأحوال المخلوقات العلوية والسلفية.

    وذلك أن القسم الأول هو المقصود بذاته، لإصلاح أمور البشر وتزكية أنفسهم وتهذيب أخلاقهم وإعدادهم لحياة أعلى من الحياة الدنيا، فهو يؤخذ برمته لذاته كما أمر الله ورسله.

    وأما القسم الثاني فإنما يذكر في الكتب الإلهية، لبيان آيات الله في خلقه الدالة على وحدانيته وقدرته وحكمته ورحمته وسائر صفات الكمال الثابتة له، ولأجل الموعظة والعبر.

    ولا يراد من ذكرها ما يريده أهل الفنون والصناعات ولا مدونو التواريخ من بيان حقائق أمور العالم العلوي والسفلي بقدر الطاقة التي توصلهم إليها أبحاثهم، كعدد الكواكب وأبعادها، ومساحتها وحركاتها، وطبائع المواليد الثلاثة وسنن الله فيها، ومنافعها ومضارها، وغير ذلك مما جعل الله في استطاعة البشر الوصول إليه ببحثهم وحدهم بدون توقف على الوحي الإلهي.

    ويرى السائل هذا المعنى في الجزء الأول وغيره من تفسيرنا.

    فإذا وصل بحث الباحثين في أمور الكون إلى حقيقة مخالفة لظاهر الوحي فيها وصار ذلك قطعيًّا، وجب تأويل عبارة الوحي فيها بحملها على التجوز أو الكناية أو مراعاة العرف كغروب الشمس في العين أو البحر مثلًا، وتخبط الشيطان للمصروع في قول.

    ونعتقد نحن معشر المسلمين أن من مزايا كتابنا أنه ليس فيه نص قطعي الدلالة يمكن أن ينقضه دليل عقلي أو علمي قطعي، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، ولا يستطيع أهل الكتاب مثل هذه الدعوى في كتبهم.

    ولكن المسلمين على موافقة كتابهم وقطعيات دينهم للعقل وعدم تعارضهما مع العلم قد استحوذ على أكثرهم الجهل به من الجهتين الروحية والاجتماعية، فلا يشعرون بالحاجة إلى الاعتصام به كما يشعر أكثر النصارى في الغرب بالحاجتين ويبذلون الملايين في خدمة دينهم ونشره على ما في نصوص كتبه من مخالفة العقل والعلم التي لم يسعهم إنكارها، حتى قال أعظم رجل فيهم أنه لا يضرنا ثبوتًا اقتباس شريعة موسى من شريعة حمورابي، ولا يحملنا على ترك هداية الكتاب المقدس، إذ لا يوجد لدينا كتاب غيره تعرف فيه الرب إلى خلقه بصفوة أنبيائه ورسله، أو ما هذا معناه[1].

    [1] المنار ج28 (1927) ص581-583.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 719 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات