• طلاق الثلاث بلفظ واحد

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    وبعد، فقد قلتم في المنار في م28 ج7 ص512 س14: «وقد كان شيخ الإسلام -ابن تيمية- يفتي بوقوع الواحدة، وكذا تلميذه العلامة ابن القيم وهذا الذي نعتقده ونختاره»[1].

    وحينئذ تكونون أحق من يرجع إليه في استيضاح عبارتيهما.

    وقد استدل ابن تيمية على رأيه هذا بحديث رواه الإمام أحمد بن حنبل في المسند ص225 ج1 من طريق ابن إسحق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن ركانة بن عبد يزيد طلق زوجته سهيمة ثلاثًا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا تِلْكَ وَاحِدَةٌ، وقال: إن هذا الحديث رواه أبو داود في سننه عن ابن عباس من وجه آخر، ولام أبا داود على طعنه على هذا الحديث مع جعله رواية أبي داود شاهدًا لرواية الإمام أحمد هذه، كما أوضحه في الجزء الثالث من فتاويه من ص18 إلخ.

    وقد راجعت سنن أبي داود فوجدته كما يتضح لكم في (باب نسخ المراجعة بعد الثلاثة تطليقات) الثاني أن الذي رواه من طريق عبد الرازق عن ابن جريج عن بعض بني أبي رافع عن عكرمة أيضًا عن ابن عباس أن المطلق هو عبد يزيد أبو ركانة، طلق أم ركانة ونكح امرأة من مزينة فعابته، فاستحضر أولاده ركانة وغيره وأمر عبد يزيد فطلق المزنية وراجع له أم ركانة مع قوله له طلقتها ثلاثًا، وأن أبا داود أتبع هذه الرواية بقوله: وحديث نافع بن عجير وعبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده أن ركانة طلق امرأته فردها إليه النبي صلى الله عليه وسلم أصح، لأن ولد الرجل وأهله أعلم به أن ركانة إنما طلق امرأته البتة فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم واحدة.

    ثم بعد ثلاثة أبواب ترجم (باب في البتة) وأتى بروايات عن نافع بن عجير وعبد الله المذكورين من طريق الإمام الشافعي رضي الله عنه وغيره، وفيها أن المطلق هو ركانة، وأن طلاقه كان بلفظ البتة، وأنه حلف أنه ما أراد إلا واحدة، فردها إليه النبي صلى الله عليه وسلم.

    فأي شاهد في ذلك (يقصد ابن تيمية) لحديث الإمام أحمد، وأي رواية رواها أبو داود عن ابن عباس بما في الحديث من وجه آخر، فإن رواية باب نسخ المراجعة بعكس ما ذكر؛ أي أنها تعتبر معارضة لحديث الإمام أحمد حيث إن الراوي فيهما واحد وهو عكرمة، والمروي مختلف.

    فأين أن المطلق ركانة من أن المطلق والده بناء على حادثة زواج المزنية، فلا سبيل للجمع بين الروايتين بحال، كما أنه لا قائل بتعدد الحادثة مطلقًا، وكون المطلق ركانة، وأن طلاقه كان بلفظ البتة وأنه حلف بعد استحلاف النبي له على ما أراد بلفظ البتة أمر مستفيض بين المحدثين من أنه حلف ما أراد إلا واحدة فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فبأي الروايتين نصدق عكرمة؟ وتصديقه في إحداهما يلزم عليه تكذيبه في الأخرى، فصار المتعين رفض الروايتين.

    وليس من غرضنا ذكر كل ما يؤخذ على ابن تيمية في هذه المسألة التي خرج فيها على الأئمة الأربعة بدون مبالاة، إنما نريد فهم عبارته التي نسب فيها لأبي داود أحد أصحاب الكتب الستة مراجع المسلمين عكس مراده، بل ما تبرأ منه صراحة.

    أما الإمام أحمد فلم يعلق على حديثه بشيء يفيد التبرأ منه أو التمسك به، ولكن نقل عنه مجد الدين بن تيمية الكبير في كتابه منتقى الأخبار ما يدل على تبرئه وهو قوله: «كل أصحاب ابن عباس رووا عنه خلاف ما قال طاووس».

    يشير بذلك لرد رواية طاوس عن ابن عباس من أن الطلاق كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر رضي الله عنهما طلاق الثلاث واحدة؛ لأنه ثبت عن ابن عباس رضي الله عنه بواسطة ثمانية من أشهر أصحابه القول بلزوم الثلاث، وتأول العلماء إثر طاوس تأويلات كثيرة أصحها أن ذلك كان في غير المدخول بها، كما رواه أبو داود وغيره.

    وهذا هو المتعين أمام ثلاثة من أصحاب الكتب الستة جزموا برواية أن ركانة طلق البتة وحلف كما سبق، وهم أبو داود المذكور والترمذي وابن ماجه، وباقي الستة البخاري ومسلم والنسائي لم يخالفوهم، وكما رواه الحاكم وابن حبان وصححه والدارمي المطبوع على هامش منتقى الأخبار، ومثلهم أبو يعلى والبغوي وابن شاهين وابن منده كما نقله الحافظ ابن حجر في الإصابة في ترجمة يزيد بن ركانة، وكذا الدارقطني وغيره، ومن ذلك إجماع المحدثين بل هو قول لجميع المسلمين[2].

    إن اضطراب السائل في روايتي عكرمة وفي فهم كلام الشيخ تقي الدين ابن تيمية لحديث أبي داود وفي رأي جده مجد الدين المخالف لرأيه هو في المسألة، وما أوهمه أول سؤاله من أن ابن تيمية لم يستدل إلا بهذا الحديث، وقوله: إن البخاري ومسلمًا والنسائي لم يخالفوا أبا داود والترمذي وابن ماجة في حمل حديث عدم وقوع الطلاق الثلاث باللفظ الواحد على غير المدخول بها من أنهم يقولون بذلك، وإن كان هذا الإيهام على بطلانه لا ينطبق على قاعدة من القواعد بل يستلزم الباطل القطعي وهو أن كل ما رواه راوٍ أو رآه باحث ولم يكذبه فيه سائر العلماء يكون ثابتًا عندهم -إن ما ذكر كله وما هو أبعد منه عن أبحاث أهل العلم وأهل العدالة والفهم من دعوى الإجماع في المسألة والتعبير بالخروج على الأئمة الأربعة- مما لا نضيع وقتنا بالبحث فيه لأننا لا نكلف مناقشة أقوال السائلين، ولا إفهام العوام دلائل المجتهدين، وإنما نتكلم هنا في أصل المسألة لبيان ما اعتمدنا عليه في اختيارنا لفتوى شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية لكثرة السؤال عنها، ومنه يعلم أننا نتبع الدليل ولسنا مقلدين له فيها، فنقول: إن الحافظ ابن حجر ذا الاطلاع الواسع على كتب الحديث كلها ووجوه الترجيح بين الروايات فيها، وعلى أقوال أئمة السلف وأئمة الأمصار وأساطين المفسرين وفقهاء المذاهب المشهورة قد لخص المسألة في فتح الباري، وذكر أشهر الأقوال فيها، حريصًا في ذلك على ترجيح مذاهب الفقهاء الأربعة، فنذكر هذا لأنه أجمع ما رأيناه لتأييدهم في المسألة، ونقف عليه بما نراه فيه من ضعف وقوة وما هو إلى الحق أقرب، والقبول أجدر، كما هو شأن طالب الحق بدليله لذاته لا لتقوية حجة القائل به، فنقول: قال الحافظ في شرح قول البخاري في صحيحه (باب من جوز الطلاق الثلاث) ما نصه: وفي الترجمة إشارة إلى أن من السلف من لم يجز وقوع الطلاق الثلاث، فيحتمل أن يكون مراده بالمنع من كره البينونة الكبرى، وهي بإيقاع الثلاث أعم من أن تكون مجموعة أو مفرقة، ويمكن أن يتمسك له بحديث «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» وقد تقدم في أوائل الطلاق، وأخرج سعيد بن منصور عن أنس أن عمر كان إذا أتي برجل طلق امرأته ثلاثًا، أوجع ظهره. وسنده صحيح.

    ويحتمل أن يكون مراده بعدم الجواز من قال: لا يقع الطلاق إذا أوقعها مجموعة، للنهي عنه. وهو قول للشيعة وبعض أهل الظاهر.

    وطرد بعضهم ذلك في كل طلاق منهي كطلاق الحائض وهو شذوذ، وذهب كثير منهم إلى وقوعه مع منع جوازه، واحتج له بعضهم بحديث محمود بن لبيد قال: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا فقام مغضبًا فقال: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟» الحديث، أخرجه النسائي ورجاله ثقات، لكن محمود بن لبيد ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت له منه سماع، وإن ذكره بعضهم في الصحابة فلأجل الرؤية، وقد ترجم له أحمد في مسنده وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء صرح فيه بالسماع.

    وقد قال النسائي بعد تخريجه: لا أعلم أحدًا رواه غير مخرمة بن بكير يعني ابن الأشج عن أبيه.

    ورواية مخرمة عن أبيه عند مسلم في عدة أحاديث، وقد قيل: إنه لم يسمع من أبيه وعلى تقدير صحة حديث محمود فليس فيه بيان أنه هل أمضى عليه الثلاث مع إنكاره عليه إيقاعها مجموعة أو لا؟ فأقل أحواله أن يدل على تحريم ذلك وإن لزم، وقد تقدم في الكلام على حديث ابن عمر في طلاق الحائض أنه قال لمن طلق ثلاثًا مجموعة: عصيت ربك وبانت منك امرأتك. وله ألفاظ أخرى نحو هذه عند عبد الرزاق وغيره.

    وأخرج أبو داود بسند صحيح من طريق مجاهد قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال أنه طلق امرأته ثلاثًا، فسكت حتى ظننت أنه سيردها إليه، فقال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس يا ابن عباس إن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا[٢]﴾ [الطلاق: 2]، وإنك لم تتق الله فلا أجد لك مخرجًا عصيت ربك وبانت منك امرأتك. وأخرج أبو داود له متابعات عن ابن عباس بنحوه.

    ومن القائلين بالتحريم واللزوم من قال: إذا طلق ثلاثًا مجموعة وقعت واحدة، وهو قول محمد بن إسحاق صاحب المغازي، واحتج بما رواه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: كَيْفَ طَلَّقْتَهَا؟ قال: ثلاثًا في مجلس واحد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا تِلْكَ وَاحِدَةٌ، فَارْتجِعْهَا إِنْ شِئْتَ»، فارتجعها.

    وأخرجه أحمد وأبو يعلى وصححه من طريق محمد بن إسحاق، وهذا الحديث نص في المسألة لا يقبل التأويل الذي في غيره من الروايات الآتي ذكرها وقد أجابوا عنه بأربعة أشياء:

    أحدها: أن محمد بن إسحاق وشيخه مختلف فيهما، وأجيب بأنهم احتجوا في عدة من الأحكام بمثل هذا الإسناد، كحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رد على أبي العاص ابن الربيع زينب ابنته بالنكاح الأول وليس كل مختلف فيه مردودًا[3].

    الثاني: معارضته بفتوى ابن عباس بوقوع الثلاث كما تقدم من رواية مجاهد وغيره، فلا يظن بابن عباس أنه كان عنده هذا الحكم عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يفتي بخلافه إلا بمرجح ظهر له، وراوي الخبر أخبر من غيره بما روى.

    وأجيب بأن الاعتبار برواية الراوي لا برأيه، لما يطرق رأيه من احتمال التمسك بتخصيص أو تقييد أو تأويل وليس قول مجتهد حجة على آخر.

    الثالث: أن أبا داود رجح أن ركانة إنما طلق امرأته البتة كما أخرجه هو من طريق آل بيت ركانة، وهو تعليل قوي لجواز أن يكون بعض رواته حمل البتة على الثلاث، فقال: طلقها ثلاثًا، فبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس[4].

    الرابع: أنه مذهب شاذ فلا يعمل به، وأجيب بأنه نقل عن علي وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير مثله، نقل ذلك ابن مغيث في كتاب الوثائق له، وعزاه لمحمد بن وضاح، ونقل الغنوي ذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة كمحمد بن تقي بن مخلد ومحمد بن عبد السلام الخشني وغيرهما، ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس كعطاء وطاوس وعمرو بن دينار، ويتعجب من ابن التين حيث جزم بأن لزوم الثلاث لا اختلاف فيه، وإنما الاختلاف في التحريم مع ثبوت الاختلاف كما ترى.

    ويقوي حديث ابن اسحق المذكور ما أخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم.

    فأمضاه عليهم، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم.

    ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة؟ قال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق، فأجازه عليهم.

    وهذه الطريق الأخيرة أخرجها أبو داود لكن لم يسم إبراهيم بن ميسرة وقال بدله عن غير واحد، ولفظ المتن: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة؟ الحديث، فتمسك بهذا السياق من أعل الحديث وقال: إنما قال ابن عباس ذلك في غير المدخول بها[5].

    وهذا أحد الأجوبة عن هذا الحديث وهي متعددة، وهو جواب إسحاق بن راهويه وجماعة وبه جزم زكريا الساجي من الشافعية، ووجهوه بأن غير المدخول بها تبين إذا قال لها زوجها: أنت طالق، فإذا قال: ثلاثًا، لغا العدد لوقوعه بعد البينونة.

    وتعقبه القرطبي بأن قوله: أنت طالق ثلاثًا كلام متصل غير منفصل، فكيف يصح جعله كلمتين وتعطى كل كلمة حكمًا.

    وقال النووي: أنت طالق معناه أنت ذات الطلاق، وهذا اللفظ يصح تفسيره بالواحدة وبالثلاث وغير ذلك.

    الجواب الثاني: دعوى شذوذ رواية طاوس، وهي طريقة البيهقي فإنه ساق الروايات عن ابن عباس بلزوم الثلاث، ثم نقل عن ابن المنذر أنه لا يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا ويفتي بخلافه، فيتعين المصير إلى الترجيح، والأخذ بقول الأكثر أولى من الأخذ بقول الواحد إذا خالفهم، وقال ابن العربي: هذا حديث مختلف في صحته فكيف يقدم على الإجماع[6].

    قال: ويعارضه حديث محمود بن لبيد -يعني الذي تقدم- أن النسائي أخرجه فإن فيه التصريح بأن الرجل طلق ثلاثًا مجموعة ولم يرده النبي صلى الله عليه وسلم بل أمضاه. كذا قال، وليس في سياق الخبر تعرض لإمضاء ذلك ولا لرده.

    الجواب الثالث: دعوى النسخ، فنقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: يشبه أن يكون ابن عباس علم شيئًا نسخ ذلك، قال البيهقي: ويقويه ما أخرجه أبو داود من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثًا فنسخ ذلك.

    وقد أنكر المازري ادعاء النسخ فقال: زعم بعضهم أن هذا الحكم منسوخ وهو غلط فإن عمر لا ينسخ ولو نسخ وحاشاه، لبادر الصحابة إلى إنكاره، وإن أراد القائل أنه نسخ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمتنع لكن يخرج عن ظاهر الحديث؛ لأنه لو كان كذلك لم يجز للراوي أن يخبر ببقاء الحكم في خلافة أبي بكر وبعض خلافة عمر.

    فإن قيل: فقد يجمع الصحابة ويقبل منهم ذلك (قلنا): إنما يقبل ذلك لأنه يستدل بإجماعهم على ناسخ، وأما أنهم ينسخون من تلقاء أنفسهم فمعاذ الله؛ لأنه إجماع على الخطأ وهم معصومون عن ذلك.

    فإن قيل: فلعل النسخ إنما ظهر في زمن عمر، قلنا: هذا أيضًا غلط؛ لأنه يكون قد حصل الإجماع على الخطأ في زمن أبي بكر، وليس انقراض العصر شرطًا في صحة الإجماع على الراجح.

    قلت: نقل النووي هذا الفصل في شرح مسلم وأقره وهو متعقب في مواضع:

    أحدها: أن الذي ادعى نسخ الحكم لم يقل إن عمر هو الذي نسخ حتى يلزم منه ما ذكر وإنما قال: ما تقدم يشبه أن يكون علم شيئًا من ذلك نسخ؛ أي اطلع على ناسخ للحكم الذي رواه مرفوعًا، ولذلك أفتى بخلافه، وقد سلم المازري في أثناء كلامه أن إجماعهم يدل على ناسخ، وهذا هو مراد من ادعى النسخ.

    الثاني: إنكاره الخروج عن الظاهر عجيب، فإن الذي يحاول الجمع بالتأويل يرتكب خلاف الظاهر حتمًا.

    الثالث: أن تغليطه من قال المراد ظهور النسخ عجيب أيضًا؛ لأن المراد بظهوره انتشاره.

    وكلام ابن عباس أنه كان يفعل في زمن أبي بكر محمول على أن الذي كان يفعله من لم يبلغه النسخ، فلا يلزم ما ذكر من إجماعهم على الخطأ وما أشار إليه من مسألة انقراض العصر لا يجيء هنا لأن عصر الصحابة لم ينقرض في زمن أبي بكر بل ولا عمر، فإن المراد بالعصر الطبقة من المجتهدين وهم في زمن أبي بكر وعمر بل وبعدهما طبقة واحدة[7].

    الجواب الرابع: دعوى الاضطراب، قال القرطبي في المفهم: وقع فيه مع الاختلاف على ابن عباس الاضطراب في لفظه، وظاهر سياقه يقتضي النقل عن جميعهم أن معظمهم كانوا يرون ذلك، والعادة في مثل هذا أن يفشو الحكم وينتشر فكيف ينفرد به واحد عن واحد؟ قال: فهذا الوجه يقتضي التوقف عن العمل بظاهره إن لم يقتض القطع ببطلانه[8].

    الجواب الخامس: دعوى أنه ورد في صورة خاصة، فقال ابن سريج وغيره: يشبه أن يكون ورد في تكرير اللفظ كأن يقول: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، وكانوا أولًا على سلامة صدورهم يقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد، فلما كثر الناس في زمن عمر وكثر فيهم الخداع ونحوه مما يمنع قبول من ادعى التأكيد حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار فأمضاه عليهم.

    وهذا الجواب ارتضاه القرطبي وقواه بقول عمر إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، وكذا قال النووي: إن هذا أصح الأجوبة[9].

    الجواب السادس: تأويل قوله: واحدة، وهو أن معنى قوله: كان الثلاث واحدة أن الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يطلقون واحدة، فلما كان زمن عمر كانوا يطلقون ثلاثًا، ومحصله أن المعنى أن الطلاق الموقع في عهد عمر ثلاثًا كان يوقع قبل ذلك واحدة؛ لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلًا، أو كانوا يستعملونها نادرًا.

    وأما في عصر عمر فكثر استعمالهم لها، ومعنى قوله: فأمضاه عليهم وأجازه وغير ذلك أنه صنع فيه من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله، ورجح هذا التأويل ابن العربي ونسبه إلى أبي زرعة الرازي، وكذا أورده البيهقي بإسناده الصحيح إلى أبي زرعة أنه قال: معنى هذا الحديث عندي أن ما تطلقون أنتم ثلاثًا كانوا يطلقون واحدة، قال النووي: وعلى هذا فيكون الخبر وقع عن اختلاف عادة الناس خاصة لا عن تغير الحكم في الواحدة فالله أعلم.

    الجواب السابع: دعوى وقفه، فقال بعضهم: ليس في هذا السياق أن ذلك كان يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فيقره، والحجة إنما هي في تقريره.

    وتعقب بأن قول الصحابي: كنا نفعل كذا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم الرفع على الراجح، حملًا على أنه اطلع على ذلك، فأقره لتوفر دواعيهم على السؤال عن جليل الأحكام وحقيرها[10].

    الجواب الثامن: حمل قوله ثلاثًا على أن المراد بها لفظ البتة كما تقدم في حديث ركانة سواء، وهو من رواية ابن عباس أيضًا وهو قوي، ويؤيده إدخال البخاري في هذا الباب الآثار التي فيها البتة والأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن البتة إذا أطلقت حمل على الثلاث إلا إن أراد المطلق واحدة فيقبل، فكأن بعض رواته حمل لفظ البتة على الثلاث لاشتهار التسوية بينهما فرواها بلفظ الثلاث، وإنما المراد لفظ البتة، وكانوا في العصر الأول يقبلون ممن قال: أردت بالبتة الواحدة.

    فلما كان عهد عمر أمضى الثلاث في ظاهر الحكم، قال القرطبي: وحجة الجمهور في اللزوم من حيث النظر ظاهرة جدًّا وهو أن المطلقة ثلاثًا لا تحل للمطلق حتى تنكح زوجًا غيره، ولا فرق بين مجموعها ومفرقها لغة وشرعًا، وما يتخيل من الفرق صوري ألغاه الشرع اتفاقًا في النكاح والعتق والإقرار، فلو قال الولي: أنكحتك هؤلاء الثلاث في كلمة واحدة انعقد، كما لو قال: أنكحتك هذه وهذه وهذه، وكذا في العتق والإقرار وغير ذلك من الأحكام[11].

    «واحتج من قال: إن الثلاث إذا وقعت مجموعة حملت على الواحدة بأن من قال: أحلف بالله ثلاثًا لا يعد حلفه إلا يمينًا واحدة، فليكن المطلق مثله.

    وتعقب باختلاف الصيغتين، فإن المطلق ينشئ طلاق امرأته، وقد جعل أمد طلاقها ثلاثًا، فإذا قال: أنت طالق ثلاثًا فكأنه قال: أنت طالق جميع الطلاق، وأما الحالف فلا أمد لعدد أيمانه فافترقا[12].

    وفي الجملة، فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء أعني قول جابر: إنها كانت تفعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، قال: ثم نهانا عمر عنها فانتهينا.

    فالراجح في الموضعين تحريم المتعة وإيقاع الثلاث للإجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك.

    ولا يحفظ أن أحدًا في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ، وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع مُنابذ له، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق والله أعلم.

    وقد أطلت في هذا الموضع لالتماس من التمس ذلك مني والله المستعان. انتهى.

    المنار: قد علم من هذا التفصيل الذي أورده الحافظ أن المسألة كانت لا تزال مشكلة بتعارض أدلتها إلى عهده في القرن التاسع، وأن بعض كبار العلماء التمسوا منه بيانها بالتفصيل ففعل، فهي ليست كما توهم السائل مما أجمع عليه المحدثون بل المسلمون، وأن المخالف فيها هو ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وحدهما، وأن حجتهما عليها حديث أحمد المذكور، بل هي لولا جريان العمل عليها اتباعًا لعمر رضي الله تعالى عنه لما اتفق عليها جمهور الفقهاء وعللوها باحتمال ظهور ناسخ لعمر نسخ ما كان من العمل بظاهر القرآن وحديث جعل الطلاق الثلاث باللفظ الواحد طلقة واحدة، ولما سمى بعضهم ذلك السكوت إجماعًا، وتأوّلوا آية: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] بما ينبذه اللفظ.

    استدراكنا على الحافظ ابن حجر: ونحن نستدرك على الحافظ بما يحرر المسألة تحريرًا استقلاليًّا لا تعصب فيه لمذهب على مذهب، ولا لعالم على آخر بالمباحث الآتية: الاستدراك الأول: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الثالثة، فقرأ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229].

    الظاهر المتبادر من ذكر المرتين هو التطليقة التي تحل بها عقدة النكاح بعد الأخرى فيليها مثلها، بأن يطلق ويراجع، ثم يطلق ويراجع.

    وليس معناه النطق بها مرة واحدة، وذكر كلمة مرتين بعدها وكذلك الثلاث.

    فإننا نعلم من لغة العرب بالضرورة أنك إذا قلت: «من فعل كذا ثلاث مرات أو من قال هذا ثلاثًا» لا يفهم من قولك إلا تكرار الفعل أو تكرار القول بقدر العدد.

    فإذا قلت في ألفاظ الآذان: الواجب أن تقول: «الله أكبر» أربع مرات و«أشهد أن لا إله إلا الله» مرتين إلخ.

    لا تكون قد أتيت بالمشروع إلا إذا ذكرت كل لفظ بقدر كالعدد المذكور.

    ومثله ما ورد من قول سبحان الله 33 مرة، والحمد لله 33 مرة، والله أكبر 34 مرة عقب الصلاة، لا يحصل المراد من الحديث إلا بتكرار كل ذلك بقدر العد المذكور.

    فإذا قلت: «سبحان الله ثلاثًا وثلاثين مرة، الحمد لله ثلاثًا وثلاثين مرة، الله أكبر أربعًا وثلاثين مرة» بهذا اللفظ لا تكون قد عملت بالحديث الوارد في ذلك.

    وهذا في عدد ما يقصد به اللفظ كالذكر ظاهر جلي، وهو في الفعل المحض كالسجود، والفعل الذي يعبر عنه بالقول كالطلاق واللعان أظهر، فإن الطلاق حل لعقدة النكاح التي عبر بها الكتاب العزيز عما نسميه رابطة الزوجية، فمعنى ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ أن حل عقدة النكاح الذي يملكه الرجل ولا تبين به امرأته منه -إذا شاء أن يراجعها- مرتان، ويتعين عليه بعدهما إما إمساكها بمعروف، وإن كان يشكو منها ما كان سببًا للطلاق المرة بعد المرة، وإما أن يسرّحها بإحسان.

    والحكمة في ذلك ظاهرة، وهي أنه بالطلاق بعد الطلاق يكون قد اختبر حاله مع المرأة هل الأصلح له أن يظل على معاشرتها الزوجية على ما ينكر من خلقها أو أخلاقها وأعمالها والصبر على ذلك ومعالجته بحسن المعاملة، أو أن يطلقها ويبينها بالمرة الثالثة لعدم صبره على ما ينكر منها.

    ومن يقول بأن له أن يبينها منه البينونة الكبرى بقوله: هي طالق ثلاثًا، فقد أبطل الحكمة من تكرار الطلاق بما لا فائدة منه في حال من الأحوال، ولكن قد يكون فيه غوائل ومضار كثيرة.

    ذلك بأنه إذا كان يريد مفارقتها دائمًا، فإن ذلك يحصل له بطلقة واحدة من غير أن يقيدها بلفظ يحرم به على نفسه ما أحل الله تعالى له من المراجعة في العدة وبعقد ثان بعد العدة، وقد يندم على ذلك بأن يظهر له بعد الطلاق أن دوام هذه الرابطة الزوجية معها فيه صلاح لحاله ولحال عياله، وأنّ قطعها دائمًا فيه ضرر عظيم عليه وعلى عياله، وقد يترتب عليه فتن وخسائر ومعاصٍ كثيرة إذا لم يتفق أن تتزوج بعد ذلك زواجًا صحيحًا من رجل يموت عنها أو يطلقها قبل حدوث تلك المفاسد فتحل له بذلك، أو يضطر إلى قبول لعنة التحليل على قول من يعده كالزواج الشرعي الصحيح تقليدًا.

    ومن عجيب تأثير التقليد ادعاء بعضهم أن لفظ ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ يدل على جواز جمعها بكلمة «مرتين»، وكذلك الثلاث المدلول عليه بقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]، مع أن التسريح في الآية مذكور بعد ذكر المرتين، فمفروض بعد وقوعهما متعاقبتين! ولا يوجد أشبه بهذا النص في القرآن من نص شهادة اللعان لأنها يمين في المعنى يترتب عليه الفراق بين الزوجين، فقوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ[٦] وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ[٧]﴾ [النور: 6 - 7] لا يحصل العمل به إلا بتكرار الشهادة، فإن كان اللعان يصح بالشهادة مرة واحدة يسميها أربعًا فالطلاق يصح بمثل ذلك.

    ومثله سائر الأيمان فمن قال: أقسم بالله ثلاثًا إنني فعلت أو ما فعلت كذا، وكان كاذبًا لا يلزمه إلا كفارة واحدة.

    وما ذكره الحافظ من التفرقة بين القسم والطلاق بأن للثاني حدًّا دون الأول لا يقتضي اختلاف الحكم.

    الاستدراك الثاني: إن الحافظ رد على من ادعى أن عدم وقوع الطلاق الثلاث باللفظ الواحد شاذ بذكر بعض من قال به من الصحابة وغيرهم من علماء الأمصار، ولكنه لم يرد الحصر، فهنالك آخرون قالوا بذلك من الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار والظاهرية والشيعة الزيدية والإمامية وبعض أتباع المذاهب الأربعة، كما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عنهم رواية وعزوًا إلى كتب معروفة.

    وممن روي عنهم عدم وقوع الثلاث أبو بكر (أي وكل الصحابة إلى آخر عصره وأوائل عصر عمر) والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وكذا أبو موسى، كما في البحر للإمام يحيى.

    وممن رُوِي عنه فيها القولان علي وابن مسعود وابن عباس.

    وذكر الإمام الشوكاني في نيل الأوطار نقلًا عن كتاب البحر للإمام يحيى أن من القائلين بعدم الوقوع من أئمة العترة: الهادي والقاسم والباقر والناصر، وأحمد بن عيسى، وعبد الله بن موسى بن عبد الله، ورواية عن زيد بن علي.

    قال: وإليه ذهب جماعة من المتأخرين منهم ابن تيمية وابن القيم وجماعة من المحققين.

    وقد نقله ابن مغيث في كتاب الوثائق عن محمد بن وضاح، ونقل الفتوى بذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة كمحمد بن بقي ومحمد بن السلام وغيرهما.

    ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس: كعطاء وطاوس وعمر وابن دينار، وحكاه ابن مغيث أيضًا في ذلك الكتاب عن علي رضي الله عنه وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف، والزبير.

    قال: «وذهب بعض الإمامية إلى أنه لا يقع بالطلاق المتتابع شيء لا واحدة ولا أكثر منها.

    وقد حكي ذلك عن بعض التابعين.

    وروي عن ابن علية وهشام ابن الحكم، وبه قال أبو عبيدة وبعض أهل الظاهر.

    وسائر من يقول أن الطلاق البدعي لا يقع لأن الثلاث بلفظ واحد أو ألفاظ متتابعة منه.

    وعدم وقوع البدعي هو أيضًا مذهب الباقر والصادق والناصر» اهـ.

    الاستدراك الثالث: أن بعض الأجوبة التي سكت الحافظ عنها فلم يردها ولم يؤيدها، قد ردها الإمام الشوكاني بما ذكرناه في حواشي عبارة الحافظ التي أورد فيها أجوبة الفقهاء في المسألة، فإن الذي ارتضاه الحافظ منها هو ما عليه المدققون من الفقهاء ولا سيما الذين بعده.

    وهو أن العمدة في المسألة هو موافقة جمهور الصحابة لعمر على إمضائه الطلاق الثلاث في الوقت الواحد، فإنه إجماع منهم يدل على أنهم عثروا للحكم على ناسخ لما دل عليه القرآن والسنة العملية مدة النبي صلى الله عليه وسلم ومدة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر، وإنما رجحوا هذا التعليل لأنه يتضمن تسليم دلالة الآية على أن مرات الطلاق إنما تتحقق بحل عقدة النكاح مرة بعد أخرى، لا بمجرد التلفظ بالعدد، يقولون: ولكنه نسخ، وتسليم منطوق حديث مسلم يجريان العلم على ذلك إلى أوائل خلافة عمر، يقولون: ولكن ممن لم يكن قد وقف على النسخ كما وقع في مسألة المتعة.

    فهذا هو الذي يحتاج إلى الجواب دون تلك التكلفات؛ لأنه المعتمد عند الأكثرين، وقد أجاب الإمام الشوكاني في آخر هذا البحث بما نصه: «والحاصل أن القائلين بالتتابع (أي بوقوع الثلاث باللفظ) قد استكثروا من الأجوبة على حديث ابن عباس، وكلها غير خارجة عن دائرة التعسف، والحق أحق بالاتباع.

    فإن كانت تلك المحاماة لأجل مذهب الأسلاف، فهي أحقر وأقل من أن تؤثر على السنة المطهرة، وإن كانت لأجل عمر بن الخطاب فأين يقع المسكين من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ثم أي مسلم من المسلمين يستحسن عقله وعلمه ترجيح قول صحابي على قول المصطفى صلى الله عليه وسلم؟» اهـ.

    وأقول: قد أساء الشوكاني التعبير هنا، وإن كان مثل قوله الأخير مأثورًا عن بعض الصحابة رضي الله عنهم بعضهم في بعض، فإنه لا يخطر في بال مسلم ترجيح قول عمر ولا غيره على قول المصطفى صلى الله عليه وسلم، بل لا يسوغ لأحد عرف آداب عمر مع الرسول صلى الله عليه وسلم من ناحية، وخضوعه للحق والإنصاف إذا ظهر له ولو على لسان امرأة عجوز أو أعرابي جلف من ناحية ثانية - أن يظن فيها أنه يتعمد مخالفته صلوات الله وسلامه عليه، وأبعد من هذا أن يخالفه ثم يسكت له جمهور الصحابة على مخالفته على من تعودوا منه قبول معارضتهم له بكل ارتياح وقبول، فلأجل هذا وذاك ترك الجمهور ظاهر الكتاب والسنة في المسألة وتكلفوا تأويلها بما رأيت.

    أما عمل عمر فالظاهر الذي لم يخطر في بالنا غيره منذ فكرنا في هذه المسألة أنه اجتهاد أراد به تربية الناس في تتابعهم على ترك ما شرّعه الله تعالى وجرت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطلاق بعقابه إياهم بإمضائه عليهم لعلهم يرجعون عنه، بعد أن يظهر لهم خطأهم بحرمان أنفسهم من رحمة الله بالمؤمنين بشرعه لهم المراجعة مرة بعد مرة.

    وهذا هو التعليل هو الذي ذكرناه في محاورات المصلح والمقلد من زهاء ربع قرن.

    وقد عُهد من بعض الصحابة -ولا سيما الأئمة والحكام- الاجتهاد في المسائل وأن يكون منه الخطأ والصواب.

    ويصح جعل هذا الاجتهاد حجة لقاعدة الإمام مالك في وجوب الاستمساك بظواهر النصوص في العبادات، ومراعاة المصلحة العامة، ومقاصد الشارع في أحكام المعاملات، وسنزيد هذا بيانًا بعد قليل.

    وأما سكوت جمهور الصحابة المقيمين مع عمر في المدينة على اجتهاده هذا، فلاعتقادهم أن مثله جائز للإمام (الخليفة)، على أن بعضهم كان يُفتي بخلافه كما تقدم، وأشهرهم ابن عباس.

    والظاهر أن هذا كان بعده لئلا يكون خروجًا على الإمام، ويحتمل أنه كان لاعتقاد أنه كان مخطئًا في ذلك الاجتهاد.

    ومن الخطأ تسمية ذلك السكوت من بعض الصحابة رضي الله عنهم إجماعًا؛ لأن أكثر الصحابة كانوا متفرقين في الأمصار يجاهدون في سبيل الله، فمن أين علموا بفعل عمر هذا في وقائع كانت قليلة بالطبع، ولا سيما بعد تنفيذه ذلك الطلاق عليهم، وبعدما روي عنه أنه كان يضرب فاعل هذه البدعة -الطلاق الثلاث باللفظ دون مراجعة- حتى يوجعه.

    وأظهر من هذا الخطأ ما قيل في تعليله من احتمال ظهور دليل ناسخ لما سبق من عَدّ الطلاق بلفظ الثلاث واحدةً، عملًا بالكتاب والسنة -لا أقول في إثبات هذه التخطئة ما قال بعضهم من أنه لو وُجد الناسخ لذكر ونُقل.

    ونحن إنما نكلف ما ثبت بالنقل، ولا قيمة للاحتمال في نسخ نصوص صريحة- بل أقول مع تسليم هذا وكونه لا مجال للنزاع فيه: إن هذا الحكم لو كان نسخ لما استمر العمل عليه في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ومدة خلافة أبي بكر وثلاث سنين من خلافة عمر.

    وأما تشبيه الحافظ هذه المسألة بمسألة المتعة فهو يصح من وجه واحد، وهو أن عمر هو الذي أرجع الناس عنهما، ويفترقان من حيث وجود نص عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه حَرَّم المتعة على التأبيد بعد أن أباحها، وكان آخر الأمرين، ولا نص في الطلاق الثلاث ينسخ ظاهر القرآن والسنة العملية به.

    هذا وإنني راجعت بعد كتابة ما تقدم كله كتاب الروضة الندية للعلامة السيد صديق حسن خان فرأيت أن أنقل عنه ما نصه: «وقد امتحن بهذه المسألة جماعة من العلماء منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة ممن بعده، والحق بأيديهم.

    ولكن لما كان مذهب الأربعة الأئمة أن الطلاق يتبع الطلاق كان المخالف لذلك عند عامة أتباعهم وكثير من خاصتهم كالمخالف للإجماع، وقد ظهر مما سقناه ههنا من الأدلة والنقول أن الطلاق ثلاثًا بلفظ واحد أو ألفاظ في مجلس واحد، من دون تخلل رجعة، يقع واحدة وإن كان بدعيًّا.

    فتكون هذه الصور من صور الطلاق البدعي واقعة مع إثم الفاعل، دون سائر صور البدعي، فلا يقع الطلاق فيها لما قدمنا تحقيقه.

    وأطال ابن القيم في تخريج أحاديث الباب والكلام عليها، وأثبته بالكتاب والسنة واللغة والعرف وعمل أكثر الصحابة ثم قال بعد ذلك: «فهذا كتاب الله تعالى، وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه لغة العرب، وهذا عرف التخاطب، وهذا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة كلهم معه في عصره وثلاث سنين من عصر عمر على هذا المذهب، فلو عَدّهم العاد بأسمائهم واحدًا واحدًا أنهم كانوا يرون الثلاث واحدة إما بفتوى وإما بإقرار عليها، ولو فرض منهم من لم يكن يرى ذلك فإنه لم يكن منكرًا للفتوى به، بل كانوا ما بين مُفْت ومُقر بفتيا وساكت غير منكر، وهذا حال كل صحابي من عهد الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر، وهم يزيدون على الألف قطعًا، كما ذكر يونس بن بكير عن أبي إسحق، فكل صحابي كان على أن الثلاث واحدة بفتوى أو إقرار وسكوت.

    ولقد ادعى بعض أهل العلم أن هذا إجماع قديم، ولم تُجمع الأمة ولله الحمد على خلافه، بل لم يزل فيهم من يُفتي به قرنًا بعد قرن وإلى يومنا هذا، فأفتى به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، كما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس: إذا قال أنتِ طالق ثلاثًا بفم واحد فهي واحدة.

    وأفتى بأنها واحدة الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف، حكاه عنهما ابن وضاح.

    وأما التابعون فأفتى به عكرمة وطاوس، وأما تابعو التابعين فأفتى به محمد بن إسحق وخلاس بن عمرو والحارث العكلي، وأما أتباع تابعي التابعين فأفتى به داود بن علي وأكثر أصحابه، وأفتى به بعض أصحاب مالك، وأفتى به بعض الحنفية، وأفتى به بعض أصحاب أحمد.

    والمقصود أن هذا القول قد دل عليه الكتاب والسنة والقياس والإجماع القديم، ولم يأت بعده إجماع يبطله، ولكن رأى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أن الناس استهانوا بأمر الطلاق وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة، فرأى من مصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم، فرأى عمر أن هذا مصلحة لهم في زمانه.

    والذي ندين الله تعالى به ولا يسعنا غيره وهو القصد في هذا الباب، أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنًا من كان، انتهى حاصله.

    وتمام هذا البحث في إعلام الموقعين وإغاثة اللهفان للحافظ ابن القيم، وفي رسالة مستقلة للماتن (الشوكاني)، وفي كتابنا مسك الختام فليرجع الطالب إليها إن أراد التفصيل والتحقيق وبالله التوفيق».

    تلخيص للمسألة وإيضاح لاجتهاد عمر رضي الله عنه:

    1- إن الله تعالى شرع للمسلم إذا تنازع مع زوجه وخاف ألا يقيم حدود الله في معاشرتها أن يطلقها في أول طهر لها لم يباشرها فيه، حتى لا يضارها بإطالة العدة، وشرع له أن يُراجعها في العدة إذا ندم على طلاقها وتبين له أن الأصلح له البقاء معها، فإذا عاد فطلقها مرة ثانية ثم تبين له خطأه فله أن يراجعها أيضًا، فإن عاد مرة ثالثة بانت منه، ولم يملك مراجعتها إلا بشرط يقل وقوعه ويثقل على الرجال الرجوع إلى المرأة بعده إن وقع، إلا لشدة الحاجة، وهو أن تتزوج رجلًا آخر زواجًا صحيحًا، ثم يموت عنها أو يطلقها.

    ومن رحمة الله تعالى في يُسر شرعه أنه لم يحرّم عليه امرأته بطلقة ولا بطلقتين قد يكونان من غير روية ولا معرفة اختبار لحاجته إليها، ولم يبح له أن يجعلها كالكرة يعبث بها ما شاء هواه، فيطلق ويراجع بغير عدد ولا حساب، كما كانوا يفعلون في الجاهلية، لما فيه من امتهان المرأة ومضارتها، وقد كرّمها الله كما كرّمه وأعزّها بالإسلام كما أعزّه.

    2- لم يشرع الله تعالى للرجل أن يُبْطِلَ حكمته في شرعه ورحمته فيه بجمع الثلاث بالقول دون الفعل، وجعل إيقاع الطلاق مرة واحدة كإيقاعه ثلاث مرات في تحريم المراجعة، فيجعل الثلاث واحدة كأهل التثليث في العقائد.

    ولكن بعض أصحاب الرعونة وضيق الصدر من المسلمين أرادوا أن يضيقوا على أنفسهم ما وسّعه الله عليهم، فطلّق بعضهم امرأته جامعًا للثلاث بكلمة واحدة، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب وقال: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ» كما تقدم، ولكنه صلى الله عليه وسلم جعل هذه الفعلة لغوًا ولم يوقع على أحد فعل ذلك إلا واحدة، وكذلك فعل أبو بكر وعمر مدة سنتين في رواية وثلاث سنين في رواية أخرى، وكان يضرب من يتصرف بدينه هذا التصرف المخالف لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحكمة شرعه ويسره، فلما تتابعوا عليه رأى أن ينفذه عليهم عقوبة لهم لعلهم ينتهون ففعل بعد المشاورة.

    ولهذا الاجتهاد في العقاب من ولي الأمر نظائر.

    1- ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية والمحقق ابن القيم كثيرًا من الشواهد والمدارك لعمل عمر، منها قول الأول في هذا البحث من الفتاوى: «وقد بين ابن عباس عذر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو أن الناس لما تتابعوا فيما حرّم الله عليهم استحقوا العقوبة على ذلك، فعوقبوا بلزومه، بخلاف ما كانوا عليه قبل ذلك فإنهم لم يكونوا مكثرين من فعل المحرّم، وهذا كما أنهم لما أكثروا شرب الخمر واستخفوا بحدّها كان عمر يضرب فيها ثمانين وينفي فيها ويحلق الرأس، ولم يكن ذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكما قاتل علي بعض أهل القبلة ولم يكن ذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والتفريق بين الزوجين هو مما كانوا يعاقبون به أحيانًا، إما مع بقاء النكاح وإما بدونه، فالنبي صلى الله عليه وسلم فرق بين الثلاثة الذين خُلّفوا وبين نسائهم حتى تاب الله عليهم من غير طلاق، والمطلق ثلاثًا حرّمت عليه امرأته حتى تنكح زوجًا غيره عقوبة له ليمتنع عن الطلاق، وعمر بن الخطاب ومن وافقه كمالك وأحمد في إحدى الروايتين حَرّموا المنكوحة في العدة على الناكح أبدًا؛ لأنه استعجل ما أحله الله فعوقب بنقيض قصده، والحكمان لهما عند أكثر السلف أن يفرّقا بينهما بلا عوض إذا رأيا الزوج ظالمًا معتديًا، لما في ذلك من الظلم ودفع الضرر عن الزوجة، ودل على ذلك الكتاب والسنة والآثار، وهو قول مالك وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وإلزام عمر بالثلاث لما أكثروا منه إما أن يكون رآه عقوبة تستعمل وقت الحاجة، وإما أن يكون رآه شرعًا لازمًا لاعتقاده أن الرخصة كانت لما كان المسلمون لا يوقعونه إلا قليلًا.

    «وهذا كما اختلف كلام الناس في نهيه عن المتعة (يعني متعة الحج) هل كان نهي اختيار لأن إفراد الحج لسفره والعمرة لسفره كان أفضل من التمتع، أو كان قد نهى عن الفسخ لاعتقاده أنه كان مخصوصًا بالصحابة، وعلى التقديرين فالصحابة قد نازعوه في ذلك وخالفه كثير من أئمتهم من أهل الشورى وغيرهم في المتعة وفي الإلزام بالثلاث، وإذا تنازعوا في شيء وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، كما أن عمر كان يرى أن المبتوتة لا نفقةَ لها ولا سكنى، ونازعه في ذلك كثير من الصحابة، وأكثر العلماء على قولهم، وكان هو وابن مسعود يريان أن الجنب لا يتيمم، وخالفهما عمار وأبو موسى وابن عباس وغيرهم من الصحابة، وأطبق العلماء على قول هؤلاء لما كان معهم الكتاب والسنة.

    والكلام على هذا كثير مبسوط في موضع آخر، والمقصود هنا التنبيه على ما أخذ الناس به» اهـ.

    وقال تلميذه العلامة المحقق ابن القيم في زاد المعاد: فإن قلت: قد ثبت من حديث ابن عباس أن الصحابة كلهم قد أجمعوا على أن الثلاث (باللفظ) واحدة فكيف خالفهم عمر حيث أمضاها عليهم؟ قلت: لم يخالف عمر رضي الله عنه إجماع من تقدمه بل رأى إلزامهم بالثلاث عقوبة لهم لما علموا أنه حرام وتتايعوا عليه، ولا ريب أن هذا جائز للأئمة أن يُلزموا الناس ما ضيّقوا به على أنفسهم ولم يقبلوا فيه رخصة الله عز وجل وتسهيله، بل اختاروا الشدة والعسر، فكيف بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكمال نظره للأمة وتأديبه لهم.

    ولكن العقوبة تختلف باختلاف الأزمنة والأشخاص والتمكن من العلم بتحريم الفعل المعاقب عليه وخفائه.

    وأمير المؤمنين رضي الله عنه لم يقل لهم إن هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما هو رأي رآه مصلحة للأمة لا إخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما علم رضي الله عنه أن تلك الأناة والرخصة نعمة من الله على المطلق ورحمة به وإحسان إليه وأنه قابلها بضدها ولم يقبل رخصة الله وما جعله له من الأناة، عاقبه بأن حال بينه وبينها، وألزمه ما التزمه من الشدة والاستعجال.

    وهذا موافق لقواعد الشريعة، بل هو موافق لحكمة الله في خلقه قدرًا وشرعًا، فإن الناس إذا تعدوا حدوده ولم يقفوا عندها، ضيق عليهم ما جعله لمن اتقاه من المخرج.

    وقد أشار إلى هذا المعنى بعينه من قال من الصحابة رضي الله عنهم، لمن طلق ثلاثًا: إنك لو اتقيت الله لجعل لك مخرجًا» كما قال ابن مسعود وابن عباس.

    فهذا نظر أمير المؤمنين رضي الله عنه، ومَن معه من الصحابة لأنه رضي الله عنه غيّر أحكام الله وجعل حلالها حرامًا.

    فهذا غاية التوفيق بين النصوص».

    أقول: وذكر في إعلام الموقعين من أفتى بعدم وقوع الثلاث من علماء المذاهب المشهورة على خلاف المشهور في مذاهبهم، وذكر أسماء الكتب المصرحة بذلك.

    وقد أطال المولى أبو الطيب محمد شمس الحق في تحقيق هذه المسألة والقول فيها والرد على الحافظ ابن حجر في حاشيته على سنن الدارقطني وشرحه سنن أبي داود بما لم يسبق إليه.

    ذيل للفتوى في رواية أبي داود ورأيه في المسألة: وردت أحاديث مرفوعة في وقائع في الطلاق الثلاث، أشرها حديث ركانة الذي رواه أبو داود من طريقين ضعيفين كليهما، ولكنه رجّح أحدهما على الآخر، قال شُراحه: وهذا لا يقتضي أن الراجح عنده على الآخر صحيح في نفسه، فرواية ابن إسحاق له عند الإمام أحمد وغيره أصح منها، وهي التي قال الحافظ ابن حجر وغيره أنها نص في الموضوع لا يحتمل التأويل.

    ولذلك عني الفقهاء بتأويلها لمخالفتها لمذاهبهم، والسائل لم يفهم هذا ولا غيره، ولا ما قاله شيخ الإسلام فيه فضلًا عن أصل المسألة، فجعل إشكاله محصورًا فيه بما يوهم أن ابن تيمية لم يستدل فيها إلا به، والواقع أنه استدل بالكتاب والسنة والإجماع السابق على إمضاء عمر رضي الله عنه للثلاث عقوبة مؤقتة وبالقياس.

    وأما وجه تخطئة ابن تيمية لأبي داود أنه روى حديث ركانة من طريقين ضعيفين إلا أنه رجّح أحدهما على الآخر وهو أن الطلاق كان بلفظ البتة لا بلفظ الثلاث، ولم يروه من طريق ابن إسحاق التي رواها الإمام أحمد، وهي نص في لفظ الثلاث وعدم إيقاعه صلى الله عليه وسلم له، فخالف أستاذه الإمام أحمد الذي قال: حديث ركانة في البتة ليس بشيء، وقال أيضًا: حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امرأته البتة؛ لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن عباس أن ركانة طلق امرأته ثلاثًا، وأهل المدينة كانوا يسمون الثلاث: البتة، قال شيخ الإسلام: فقد استدل أحمد على بطلان حديث البتة بهذا الحديث الآخر الذي فيه أنه طلقها ثلاثًا إلخ، أقول: وهذا موافق لحديث ابن عباس الذي رواه مسلم عنه.

    فالسائل لم يفهم هذا ولا غيره لجهله باصطلاح المحدثين والأصوليين وضعفه في اللغة أيضًا، فجعل ترجيح أبي داود لأحد الحديثين الضعيفين على الآخر وتأويله لحديث ابن عباس الصحيح بحمله على التخصيص هو كل ما في المسألة.

    ولو أردنا بيان كل ما في سؤاله من الخطأ والخطل، لأسخطنا علينا جميع قارئي المنار.

    وأما بسط أصل المسألة وأدلتها فهو ضروري؛ لأن الأمة الإسلامية شعرت بحاجتها إلى الرجوع فيها إلى يُسر الشريعة ورحمتها، واقترح بعض الفقهاء والعقلاء على حكومتنا المصرية الرجوع فيها إلى أصل الكتاب والسنة الذي كان أول من بسط دلائله شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه المحقق ابن القيم في كتبه إعلام الموقعين وإغاثة اللهفان وزاد المعاد، ووافقهما وأيدهما من أعلام السنة وفقهاء الحديث بعدهما الإمام الشوكاني، والسيد حسن صديق، وصاحبي شرح أبي داود وحاشية سنن الدارقطني من متأخري علماء الهند الأعلام، فعارض الاقتراح مقلدة الأزهر في ذلك والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

    والمرجو من أخينا الشيخ عبد الرحمن الجمجموني أحد الأمرين: إما أن ينصرف عن زراعته إلى العلم الاستقلالي فيدرس وسائله ومقاصده من فنون اللغة وعلوم الأصول والحديث، وإما أن يرضى بتقليده ويكبّ على زراعته وفاقًا للمثل الذي كان يكثر أبو حامد الغزالي من ضربه لأمثاله: «كن يهوديا صِرفًا وإلا فلا تلعب بالتوراة».

    [1] المنار ج28 (1927) ص662-683.
    [2] انظر أعلاه الفتوى رقم 716.
    [3] ولابن القيم كلام مسهب في عدالة محمد بن إسحق في الرواية والاحتجاج به.
    [4] العكس أولى وأقوى وهو التعبير عن الثلاث بالبتة فإن البتة تكون بغير الثلاث.
    [5] وذكر الشوكاني جوابًا آخر وهو أن التقييد بقبل الدخول لا ينافي صدق الرواية الأخرى الصحيحة على المطلقة بعد الدخول، وغاية ما في هذه الرواية أنه وقع فيها التنصيص على بعض أفراد الرواية الصحيحة المذكورة في الباب، وذلك لا يوجب الاختصاص بالبعض الذي وقع التنصيص عليه.
    [6] الحديث صحيح والإجماع غير واقع.
    [7] قال الشوكاني في عبارة الشافعي: ويجاب بأن النسخ إن كان بدليل من كتاب أو سنة فما هو؟ وإن كان بالإجماع فأين هو؟ على أنه يبعد أن يستمر الناس أيام أبي بكر وبعض أيام عمر (أي ثلاث سنين) على أمر منسوخ. وإن كان الناسخ قول عمر، فحاشاه أن ينسخ سنة ثابتة بمحض رأيه وحاشا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه إلى ذلك اهـ.
    [8] قال الشوكاني في دعوى الاضطراب: وهو زعم فاسد لا وجه له اهـ.
    [9] أجاب الشوكاني عن هذا بما حاصله أن حكم تكرار الطلاق واحد في كل عصر عند جميع العلماء ولم يجعل أحد منهم لكل عصر حكمًا.
    [10] وأزيد على هذا أن عبارة الحديث أقوى في الدلالة على الرفع مما ذكره نقلًا عن اصطلاح المحدثين والأصوليين، وذلك أن قول ابن عباس كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ. يعني به أنه كان كذلك في الحكم والفتوى وهما مظهرا التشريع الذي لا يكون إلا منه صلى الله عليه وسلم، وأما قولهم كنا نفعل كذا في عهده صلى الله عليه وسلم فإنه إنما يدل على الرفع بدلالة اللزوم.
    [11] الأمر خلاف ما قال القرطبي لغة وشرعًا، كما سنوضحه تعليقًا على كلام الحافظ وفيما يلي هذا.
    [12] هذا إنما يتمشى على زعمهم، والحق أن الشرع لم يجعل للمطلق هذا الحق بل جمعه الثلاث مبتدع مخالف للشرع إجماعًا، ولذلك عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم باللعب بكتاب الله، كما في حديث النسائي المتقدم. والفرق بينه وبين زَوَّجْتُك هؤلاء الثلاث ظاهر، فإن لفظ الثلاث لم يجعل المرات واحدة، بل المثل الصحيح لمسألة الطلاق الثلاث مسألة اليمين العادي أو يمين اللعان.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 724 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات