• جواز خطأ الأنبياء في آرائهم ودليله وحكمه وحصره

    نريد أن نعرفه من فضيلتكم جواز خطأ الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فيما قالوه من أنفسهم ودليله وحكمه؟ وهل ما وقع لنبينا صلى الله عليه وسلم من هذا القيل محصور وما هو؟

    قال الله تعالى لخاتم رسله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110] الآية، وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ، فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ» رواه مسلم والنسائي من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه، وقال أيضًا: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَإِنَّ الظَّنَّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ وَلَكِنْ مَا قُلْتُ لَكُمْ قَالَ اللَّهُ فَلَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ» رواه الإمام أحمد وابن ماجه من حديث طلحة رضي الله عنه بسند صحيح، وقال أيضًا: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَتْرُكْهَا» رواه الجماعة من حديث أم سلمة رضي الله عنها، والجماعة هنا الإمامان مالك وأحمد والشيخان البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة، وموضوع الحديث الخطأ في الحكم؛ بسبب خلابة المخطئ من الخصمين وقوة حجته.

    ومن أصول العقائد الإسلامية المأخوذة من هذه النصوص وأمثالها؛ أن الرسل عليهم السلام بشر يجوز عليهم كل ما يجوز على البشر من الأمور البشرية التي لا تخل بمنصبهم من الصدق والأمانة في تبليغ الرسالة، والعصمة عن مخالفة ما جاؤوا به من أمر الدين... إلخ، وقد اتفق المسلمون على جواز وقوع الخطأ من الرسل عليهم السلام في الرأي والاجتهاد.

    ولكن الله تعالى لا يقرّهم على خطأ في اجتهاد يتعلق بالتشريع كمصالح الأمة، بل يبيّنه لهم كما حصل في اجتهاد نبينا صلى الله عليه وسلم في مسألة الأسرى ببدر مع المشاورة، إذ رجح رأي الصدّيق في أخذ الفداء منهم، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67] الآية، وفي اجتهاده صلى الله عليه وسلم في الإذن لبعض المنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك، فأنزل الله تعالى عليه ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43]، وفي اجتهاده صلوات الله وسلامه عليه قبل ذلك في الإعراض عن عبد الله بن أم مكتوم الأعمى الفقير عندما جاءه؛ وهو يكلم كبراء قريش راجيا هدايتهم؛ لئلا ينفروا منه لكبريائهم فأنزل الله عليه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى[١] أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: 1 - 2] إلى قوله: ﴿كَلَّا﴾ [عبس: 11] ردعًا عن مثل هذه السياسة، وقد كان صلى الله عليه وسلم يرجع عن رأيه لرأي أيٍّ من أصحابه كما فعل عند ما اختار النزول في مكان يوم بدر، فأشاروا عليه بما هو خير منها، وأولى من ذلك رجوعه إلى رأي الأكثرين بعد المشاورة كما فعل يوم أحد، ولكني لم أقف لأحد من العلماء على إحصاء لحصر هذه المسائل في موضع واحد يُرجع إليه، وهذا أشهر ما ورد في هذا الباب، وهو الذي يتبادر إلى الذهن وقت الكتابة من غير مراجعة كتاب[1].

    [1] المنار ج29 (1928) ص46-47.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 733 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة