• عقيدة النصارى في خطيئة آدم وفداء المسيح

    أحيط علم سيادتكم أنه ضمني وبعض المبشرين مجلس فتباحثنا في الدين، فأرجو أن تتفضلوا وتتكرموا بالجواب في المنار الأغر المحبوب عن السؤال الآتي - يقول المبشر: إن خطيئة آدم صلى الله عليه وسلم بأكله من الشجرة التي نهي عن الأكل منها، صارت عالقة بذريته جميعهم؛ لم يخل منها أحد مهما عمل صالحًا وتاب من ذنوبه، لذلك جاء المسيح وصُلب، وبصلبه كفر عن خطيئة من آمن به (أي المسيح) من ذرية آدم، ومن لم يؤمن بالمسيح أنه مات فداء عنه لم يزل خاطئًا بالوراثة من آدم، مهما عبدَ الله أو تاب من ذنوبه؛ لأنه بدون سفك دم (كذا) لم تكفر خطيئته، وأن المسلمين لحد الآن يضحون عن أنفسهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى عن نفسه، وقال ما معناه: اللهم اغفر لي ذنوبي، واجعل هذه الضحية فداء عني.

    فما هو اعتقاد المسلم في ذلك، وهل حقيقة خطيئة سيدنا آدم عالقة بذريته لا يمكن أن تغفر أبدًا أم لا علاقة بين خطيئة آدم صلى الله عليه وسلم وذريته؟ أرجو الجواب.
     

    اعلم أولًا أن هؤلاء الدعاة للنصرانية الملقبين بالمبشرين جيش من جيوش الدول الغربية؛ لفتح البلاد الشرقية ولاسيما الإسلامية كما قال لورد سالسبوري الوزير الإنكليزي الشهير: (إن مدارس المبشرين أول خطوات الاستعمار، فأول ما يحدثونه في البلاد التي ينشرونها فيها تفريق الكلمة، وإيقاع الشقاق بين الشعب الواحد حتى ينقسم على نفسه، ويكون بعضه لبعض عدوًا)... هذا، وإن الله تعالى قد أكمل دينه الذي أرسل به جميع رسله بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، حتى لو كان موسى وعيسى وغيرهما من الرسل أحياء، لما وسعهم إلا اتباعه صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز لمسلم أن يقرأ شيئًا من كتب هؤلاء المبشرين، ولا أن يضيع وقته بمجادلتهم؛ لأنهم بجملتهم جند مستأجر للإفساد في الأرض كما علمنا بالاختبار، وإن شذ بعض الأفراد.

    ثم اعلم أن عقيدة كون المسيح جاء ليفتدي البشر من خطيئة آدم هي عقيدة وثنية قديمة، كما هو مفصل في كتاب العقائد الوثنية في الديانة النصرانية، ومثلها عقيدة التثليث، وأن مستقلي الفكر من علماء النصارى في أوربة وغيرها، لا يعتقدون هذا ولا ذاك، ولا ما يتعلق بهما من البدع، كالعشاء الرباني، وتحويل الخبز إلى لحم المسيح والخمر إلى دمه حقيقة بمجرد القداس الذي يتلوه الكاهن أو بدونه؛ لأن كل ذلك مخالف لبداهة العقل ومدارك الحس جميعًا، ومخل بعظمة الله وتنزيهه عن الظلم والحلول في أجساد خلقه، فبعض أحرارهم فند هذه العقائد الخرافية بكتب كثيرة، وبعضهم يسكت للجمهور عليها لئلا تكون معرفة العوام ببطلانها سببًا لمروقهم من الدين، واستباحتهم لجميع الرذائل والمعاصي المفسدة للعمران.

    أذكر أنه كان لهؤلاء المبشرين مدرسة في باب الخلق، فبينما كنت مارًّا من أمامها منذ 29 سنة، قال لي رجل منهم: تفضل واسمع كلام الله، فدخلت، فإذا بخطيب يقرر لهم عقيدة الصلب والفداء، فلما أتم كلامه قمت بجانبه، وقلت له: اسمح لي أن أعيد عليك ما فهمته منك؛ لتعلم هل كان فهمي صحيحًا كما أردت أم لا؟ فأذن، فقلت: ملخص كلامك: أن الله تعالى وقع في مشكل عظيم بعد خلقه لآدم وعصيان آدم له؛ وهو أنه لما كان سبحانه رحيمًا كامل الرحمة، وعادلًا كامل العدل، رأى أنه إذا عاقب آدم لا يكون رحيمًا، وإذا عفا عنه لا يكون عادلًا، فظل يتفكر في استنباط وسيلة للجمع بين العدل والرحمة، حتى اهتدى إليها بعد ألوف من السنين وذلك في السنة التي ولد فيها المسيح، وهذه الوسيلة هي أن يعذب المسيح المعصوم من كل ذنب بعذاب الصلب، وقبول اللعن، ودخول الجحيم -المسجلين في الكتاب على كل من يصلب- لأجل انقاذ آدم وذريته من عذاب تلك الخطيئة التي لحقت بهم كلهم على دعواكم، وبذلك جمع بين العدل الرحمة.

    ولكنني رأيت أن الظاهر المتبادر من هذه الحكاية؛ أن الرب سبحانه وتعالى قد فقد كلًا من العدل والرحمة بتعذيبه للبريء وعفوه عن المذنب، بل عن الملايين من المذنبين فضلًا عما يلحقهم من خطيئة آدم على زعمكم.

    ثم إنه مع هذا لم يتم للرب تعالى عما تقولون ما أراد من الرحمة ببني آدم؛ لأنكم تقولون: إنه لا ينال نعمة النجاة من العذاب بهذا الفداء إلا من صدّق هذه الحكاية غير المعقولة وغير اللائقة بجلال الرب وعظمته وتنزهه عن كل نقص، ومن المعلوم عندنا بالضرورة أن أكثر بني آدم لم يصدقوها، فإذًا لا بد أن يعذبهم الله بذنب آدم، حتى من كان منهم لم يعص الله تعالى قط، فهل تدعوننا لأن ننسب كل هذا الجهل والحيرة والفشل إلى الله تعالى الكامل المنزه عن كل نقص؟ فصاح المسلمون الحاضرون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقال القس المبشر: جوابي أننا غير مأمورين هنا بأن نجادل أحدًا، ولكن لنا مكتبا مفتوحًا؛ لأجل الجدال، فإذا زرتنا فيه نجيبك عن كل ما ذكرته، قلت: إنني على علم برهاني فيما أقول وأعتقد، فلست بمحتاج إلى جوابكم عن شيء.

    ولكن كيف تلقنون الناس ما يفسد عليهم إيمانهم بتنزيه الله وتعظيمه، وتتركونهم في ضلالهم يعمهون إن صدقوكم؟ وإذا أراد السائل الفاضل أن يعرف فساد هذه العقيدة بالأدلة التفصيلية، فليقرأ تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: 157] ... إلخ.

    من أواخر سورة النساء في الجزء السادس من تفسيرنا، أو رسالة عقيدة الصلب والفداء المستخرجة من هذا التفسير وهي مطبوعة على حدتها مع رسالة نظريتي في قصة الصلب للمرحوم الطبيب محمد توفيق صدقي، ففيهما يجد القارئ ما لا يجده في الأسفار الكبار المؤلفة في الرد على النصارى مؤيدة بالحجج من كتبهم وكتب أحرار علماء أوربا.

    وأما سفك الدم في الأضاحي وأمثالها، فلم يشرع في الإسلام لمثل هذه الخرافات الوثنية، وإنما شرع شكرًا لنعم الله تعالى علينا بهذه الأنعام بالتمتع بها مع حمده وشكره وإطعام المحتاجين منها، وقد قال عز وجل فيها: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: 37]، فاقرأ الآية وما قبلها، تجده صريحًا في ذلك، وقد فصلناه من قبل.

    وأما ما ذكره المبشر من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند التضحية كذا فهو كذب؛ يريد به إثبات الفداء في الإسلام بالمعنى الوثني الذي يقولون به[1].

    [1] المنار ج29 (1928) ص101-104.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 736 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة