• الكفر بترك الصلاة

    إنني كلما أرتل هذه الآية الكريمة، قوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: 31]، وعندما أتلو هذه الأحاديث الشريفة التي منها قوله عليه السلام: «لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالشِّرْكِ إِلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ فَإِذَا تَرَكَهَا فَقَدْ أَشْرَكَ» عن أنس صححه في الجامع الصغير، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال حماد بن زيد: ولا أعلمه إلا قد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام، من ترك واحدة منهن فهو بها كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان» رواه أبو يعلى بإسناد حسن، ورواه سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد عن عمر بن مالك النكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس مرفوعًا وقال فيه: «من ترك منهن واحدة فهو بالله كافر ولا يُقبل منه صرف ولا عدل، وقد حل دمه وماله».

    وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: «مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا، كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلا بُرْهَانٌ وَلا نَجَاةٌ، وَكَان يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ» رواه أحمد بإسناد جيد والطبراني في الكبير والأوسط وابن حبان في صحيحه.

    فيرتعش فؤادي عندما أريد تطبيق ما ذكر على حالتنا الحاضرة معشر المسلمين، فأجدنا غافلين عن الإسلام وتعاليمه فحسبنا الله تعالى، وبعد هذا فيعترض البعض على قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47]، فأين المؤمنون يا ترى؟ فما قول مولانا في صحة ما تقدم؟ فإن كان صحيحًا هل يجوز شرعًا أن نعقد زواج بنتنا على الرجل الذي يترك الصلاة؟ وهل برئت الذمة منه؟

    يرى السائل في تفسير القرآن الحكيم من هذا الجزء بحثًا مستفيضًا في مسألة الكفر بترك الصلاة والزكاة والصيام، وخلاف العلماء في ذلك، وأن التحقيق في المسألة أن من ترك الصلاة وكذا غيرها من أركان الإسلام جاحدًا أو مستبيحًا لذلك غير مبالٍ بالدين؛ فهو كافر بإجماع المسلمين، وأن من ترك بعض الصلوات دون بعض يكفر في قول بعض الأئمة دون بعض، ومن لا يكفر بترك الصلاة لا يكفر بترك غيرها؛ لأنها عمود الإسلام وأعظم أركانه، وقد بيَّنا أنه لا يعقل أن يتركها مؤمن صحيح الإيمان مذعن صحيح الإسلام إلا أن يكون جاهلًا مغرورًا بالاعتماد على المغفرة والشفاعة، ومثل هذا لم يكن يُعدَّ عذرًا شرعيًّا أيام كان الإسلام إسلامًا معروفًا، وقد يعد صاحبه في هذا الوقت ممن لم تبلغهم دعوة الإسلام على الوجه الحق التفصيلي لعموم الجهل، والأحاديث التي استدلوا بها على كفر تارك الصلاة كثيرة ذكرنا في هذا البحث أصحها، وما ذكره السائل منها لا يصح كله.

    فمن علم من رجل أنه لا يصلي ولا يصوم لفساد عقيدته الدينية، وعدم مبالاته بما أوجب الله وما حرَّم، فليس للمسلم أن يزوجه ابنته أو موليته؛ ولكنه إذا علم أنه مؤمن مغرور متكل على المغفرة أو الشفاعة مثلًا فليس له أن يجزم بكفره، بل ينصح له ويعلمه ما يجهله من ضروريات الدين وكونه بدون إقامة أركانه لا وجود له.

    وطالما أقمنا الدلائل وبيَّنا الآيات في إثبات أن الكثيرين من مسلمي البلاد الإسلامية ليس لديهم من الإسلام الحقيقي إلا الاسم، وأطلقنا عليهم لقب (المسلمين الجغرافيين)[1].

    [1] المنار ج30 (1929) ص110.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 775 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة