• ما يجب على العلماء من مقاومة هذا الإلحاد والفساد

    أليس من الواجب على علماء القطر أن يقوموا بصد ذلك التيار الجارف من تهتك النساء وتلبسهنّ بجميع أنواع التبرج الشائن بكل ما استطاعوا من قوة، سواء لدى الحكومة أو الشعب الغافل، ألم يكن سكوتهم عن ذلك ذنبًا عظيمًا وإثمًا مبينًا؟ ما السبب الداعي لسكوت الحكومة والعلماء عن ذلك، مع أنه أكبر ضرر وأعظم خطر على الأمة المصرية، وما جاورها من البلاد الإسلامية، كالسودان وكذلك الحجاز ونجد وغيرها؟

    إن وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -وأنكره الإلحاد والفساد- من الأمور المعلومة من دين الإسلام بالضرورة، وهذه الفريضة هي سياج الدين، وحفاظ الفضيلة في الأمة، ووقايتها من الرذيلة أن تفشو فيها، بل إنكار المنكر واجب في الإسلام باليد، فاللسان، فالقلب، وهذا أضعف الإيمان كما ثبت في الحديث الصحيح المشهور.

    والعلماء أول المطالبين بإقامة هذه الفريضة، لعلمهم بوجوبها وشدة خطر تركها، وما لها من أحكام؛ ولأن كلامهم أجدر بالقبول والتأثير.

    وسبب تقصير أكثرهم في إقامتها، ضعفهم في الدين والأخلاق، وامتهان الحكام لهم بامتهانهم لأنفسهم، كما قال شاعرهم الحكيم: ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظَّموه في النفوس لعظما ولكن أهانوه فهانوا ودنَّسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما‏ وقد كان من سيرتنا في المنار من سنته الأولى (سنة 1315) إلى اليوم، مطالبتهم بإقامة هذه الفريضة، والانحاء عليهم باللائمة لتقصيرهم فيها، حتى أنهم كرهونا وقاومونا وصاروا يصدون العامة عن قراءة المنار لأجل ذلك، وكان أول من لامنا واعتذر عن العلماء في سكوتهم عن إنكار المنكرات شيخنا الأستاذ العالم العاقل الشيخ حسين الجسر -عفا الله عنه- فقد رد علينا في جريدة طرابلس، واضطررنا إلى الرد عليه في المجلد الثاني من المنار من غير تصريح باسمه.

    ونحمد الله تعالى أن كثر في هذه السنين العلماء والوعاظ الذين يقاومون الإلحاد والفساد، وينهون عن الفواحش والمنكرات الفاشية، والبدع والخرافات المزمنة، ووزارة الأوقاف تساعدهم على ذلك.

    وهذا من فوائد كون دين الحكومة الرسمي الإسلام، وإن تألفت في مصر جمعيات تعنى بذلك، كجمعية مكارم الأخلاق الإسلامية، وجمعية الشبان المسلمين، وجمعية الهداية في القاهرة، وقد سبقتها ولحقتها جمعيات أخرى في البلاد المصرية تدعو إلى هداية السلف الصالح وترك البدع كلها، وإننا ولله الحمد نساعد أكثر هذه الجمعيات، ولنا فيها الإخوان والمريدون المخلصون، وأنشئت لبعض هذه الجمعيات ولبعض الأفراد مجلات وجرائد، تقوم بهذا الواجب أيضًا[1].

    [1] المنار ج30 (1929) ص 507-508.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 803 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة