• الذكر مع النطق باسم العدد

    ما قولكم فيما صرح به كثير من المتأخرين من أن من قال في الصلاة هكذا: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثًا -بلفظ ثلاثًا لا بتكرير التسبيح- حصل له كمالُ السنة، وكذا لو قال بعد المكتوبة: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين، الحمد لله كذلك، الله أكبر كذلك، بهذا اللفظ حصل له الفضل الموعود، وإن قال: سبحان الله مائة ألف مرة يحصل له ثواب من كررها مائة ألف مرة. وما توسط به بعضهم فقال: له أجر أكثر ممن قالها بدون لفظ العدد، لكنه دون أجر من كرر العدد. وقد خالف هذا بعض من حضر قراءة عبارات المصنفين المذكور فحواها، فقال: إن النبي قال: «َصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وما بلغنا أنه ألحق ثلاثًا بشيء من أذكار الصلاة، بل أمر بتكرير الأذكار، ولم يفهم أحد من الصحابة ما فهمه هؤلاء المصنفون، فمن أدخل في الصلاة ما ليس فيها فقد عصى وتلاعب وابتدع.

    أما في غير الصلاة فما ورد على النبي الله عليه وسلم نحو سبحان الله وبحمده عدد خلقه إلخ، فلا شك أن فيه فضلًا كبيرا بموجب الوعد وليس لنا أن نقيس عليه، وذكر احتجاجًا وردًّا على ما احتج به المخالف لا حاجة إلى تسطيره لكم، وقد أحببنا استجلاء هذا الحقيقة منكم فأفيدونا، ولكم الفضل.
     

    ما قاله هذا المعترض على المؤلفين هو الحق وكلامه كلام فقيه في الدين. وقد صرحنا في المنار مرارًا بأن العبادات لا قياس فيها. والعجب من هؤلاء المصنفين يمنعون الاجتهاد بمعنى الاستدلال على الأحكام وفهم الكتاب والسنة، ويبيحون لأنفسهم الاجتهاد بالتلاعب في الدين وتغيير بعض أحكامه والزيادة والنقص من عباداته مع إكمال الله إياه. فقولهم: يكتفى في أذكار الصلاة المكررة التلفظ باسم العدد يقتضي إذا سلم أنه يجوز لنا أن نغير الأذان بأن يقول المؤذن: «الله أكبر أربع مرات  أشهد أن لا إله إلا الله مرتين»، وهكذا بذكر لفظ العدد، وما هو إلا قياس شيطاني يراد به إفساد الدين. فهو قول باطل لا يلتفت إليه.

    أما قول الذين سميتموهم متوسطين فهو ليس بشيء أيضًا، وإن كان لا يبلغ فساد الأول وقبحه، فإن ذكر لفظ العدد لغو ليس له أثر في النفس؛ فنقولَ: إنه مفيد بأثره، ولم يعد عليه الشارع بشيء؛ فنقولَ: إننا نسلم به تعبدًا، وليس هو من قبيل: سبحان الله وبحمده عدد خلقه. فإن هذه الصيغة أمثالها كقولك: الحمد لله عدد نعم الله، لها أثر في النفس بما فيها من الاعتراف بكثرة النعم، وتذكرها مجملة، واعترافك باستحقاق المنعم بالحمد عليها، وإنما كان الذكر عبادة باعتبار ما له من مثل هذا الأثر في النفس، ولا ثواب عليه من حيث هو حركات في اللسان وكيفية في الصوت، وإنما الثواب عليه بما ذكرنا من تأثيره في النفس، فإن ذاكر الله مع هذا الحضور ينمو الإيمان في قلبه ويصير كثير المراقبة لله تعالى، وذلك أعظم رادع عن الشرور والرذائل، ومرغب في الخيرات وأعمال الفضائل، والمراقبة تثمر الخشية كما أن الذكر يثمر الأنس بالله تعالى أيضًا، وناهيك بذلك سعادة لا يعرفها إلا من شرح الله صدره للإسلام، فهو على نور من ربه. ولهذه المعاني قوبل الذاكر بالغافل فكان ضده، وإنما موضع الغفلة القلب فهو موضع الذكر أيضًا، وإنما اللسان محرك لقلب المبتدئ وضعيف الإيمان، كما أن القلب هو المحرك للسان المؤمن الكامل. بل الذكر في الأصل هو ذكر القلب، ومنه التذكر والذكرى، والأقوال التي تكون سببًا لذكر القلب تسمى ذكرًا مجازًا. ولو كان ذكر اللسان مفيدًا بذاته لكان قول: لا إله إلا الله ممن لا يفهم معناها أو لا يعتقده نافعًا والأمر ظاهر لا يحتاج إلى زيادة إيضاح[1].

    [1] المنار ج7 (1904) ص463-464.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 81 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة