• مخالفة إمام المصلين في المذهب لا يجوز الإنكار عليه

    رجل شافعي صلى خلف إمام مختلف مذهبه عن مذهبه، ورأى من الإمام شيئًا أو سمع شيئًا وهو من مبطلات الصلاة في رأي المأموم، مثلًا رأى الإمام يحرك أعضاءه متواصلة، أو لم يضع بطون أصابع الرجل عند السجود، أو كانت غترته مغطية جبهته.

    أو تنحنح بوجه يظهر حرفين، أو لم يبسمل عند قراءة الفاتحة ولم يسكت وقتًا بعد تكبيرة الإحرام يُظن أنه بسمل أثناءه سرًا.

    في هذه الحالات هل تكون صلاة المأموم صحيحة أم لا؟

    إن الإجابة تحتاج إلى توضيح كل مسألة مما ذكر في السؤال ثم نذكر القاعدة العامة في الائتمام بالإمام.

    أ) فأما سؤالك عن تحريك الأعضاء بالحركات الخفيفة المتوالية كتحريك أصابعه في سُبْحَةٍ أو عقد أو حك أو تحريك لسانه أو أجفانه أو شفتيه مرارًا وِلاء: فلا تبطل بذلك صلاته في الأصح -ولو فتح كتابًا وفهم ما فيه أو قرأ في مصحف ولو قلب أوراقه أحيانًا لم تبطل صلاته. كما جاء ذلك في مغني المحتاج (ج1 ص199).

    ب) وأما سؤالك عن الإمام الذي لم يضع على الأرض بطون أصابع الرجل عند السجود، أو كانت غترته مغطية للجبهة والمأموم شافعي.

    فنقول: إن مقابل الأظهر في المذهب لا يجب وضع يديه وركبتيه وقدميه في سجوده على الأرض لقوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾[الفتح: 29]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ جَبْهَتَك مِنْ الْأَرْضِ وَلَا تَنْقُرْ نَقْرًا» كما أخرجه ابن حبان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما وإفرادها بالذكر دليل على مخالفتها لغيرها.

    ولأنه لو وجب وضعها لوجب الإيماء بها عند العجز عن وضعها- ولأن المقصود وضع أشرف الأعضاء على موطئ الأقدام وهو خاص بالجبهة.

    ويكفي وضع جزء من كل عضو من أعضاء السجود على الأرض لا جميعها. كما جاء ذلك في مغني المحتاج ج1 ص 169.

    وبما أن تقليد الظاهر في المذهب يجوز عند الحاجة، فإن صلاة الإمام الذي لا يُمكِّن جبهته من الأرض صحيحة، لا سيما إذا كان راتبًا، لأن القول بعدم ذلك يؤدي إلى فتنة بين المسلمين وإلحاق المشقة بهم، وهذا ينافي غرضًا ساميًا في الاسلام وهو الاتحاد والألفة بين المسلمين، وعدم المشقة والحرج في التكاليف.

    فلا ينبغي اعتقاد بطلان صلاة الإمام بناء على ذلك، بل يعتقد صحتها وجواز الاقتداء به، لا سيما إذا كان لا يرى وجوب ذلك عليه.

    وهؤلاء الأحناف وغيرهم يصلون وراء الشافعية وهم يقنتون في الصبح ويبسملون في الفاتحة، والسورة وهم لا يرون ذلك، ولا ينكرون على الشافعية فعل ذلك، فينبغي الإنصاف والحكمة.

    ج) وأما سؤالك عن الإمام الذي يتنحنح بحيث يظهر منه صوت حرفين والمأموم شافعي.

    نقول: إن الذي يبطل الصلاة إنما هو التنحنح العمد الكثير.

    كما في المغني ج1 ص195 حيث جاء فيه ما نصه: «ويعذر في اليسير عرفًا من تنحنح ونحوه كالسعال والعطاس وإن ظهر به حرفان ولو من كل نفخة ونحوها للغلبة إذ لا تقصير، ويعذر في التنحنح في القراءة الواجبة وغيرها من الأركان القولية للضرورة. وصوب الأسنوي عدم البطلان في التنحنح والسعال والعطاس للغلبة وإن كثر إذ لا يمكن الاحتراز عنها».

    د) وأما سؤالك عن الإمام الذي لم يبسمل، ولم يسكت سكتة بين تكبيرة الإحرام والقراءة بحيث يظن المأموم الشافعي أنه أتى بها سرًا.

    فنقول: إذا لم يأت بها الإمام فعلى المأموم أن يأتي بها، ولا يضر اقتداء المأموم الشافعي بغير الشافعي الذي يخالفه بالفروع الاجتهادية.

    لأنه لا يدري من المصيب، ومن الذي جانب الصواب، والكل مأجور لعموم حديث «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ، فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ، فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» كما أخرجه الشيخان من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه.

    وقد صلَّى الشافعي في مسجد أبي حنيفة ولم يقنت في صلاة الصبح، ولما سئل قال: لم أقنت مراعاة لصاحب هذا المقام.

    والقاعدة المتفق عليها بين أئمة المذاهـب أنه تجوز الصلاة خلف المخالف في المذهب وإن خالف في بعض الفروع لأنهم جميعًا متفقون في الأصول نص على ذلك المالكية قال خليل: وجاز اقتداء بأعمى ومخالف في الفروع اهـ. ص40 من المختصر.

    ونص الأحناف على ذلك أيضًا ففي فيض الباري على شرح صحيح البخاري ج1 ص151 قال الإمام الأنور الكشميري: والذي تحقق عندي أن جواز الاقتداء عند الاختلاف في الفروع بين الإمام والمأموم صحيح مطلقًا سواء كان الإمام محتاطًا أم لا.

    فإني لا أجد من السلف أحدًا إذا دخل المسجد أنه تفقد أحوال الإمام أو تساءل عنه، بَيْدَ أنهم كانوا يقتدون وينصرفون إلى بيوتهم بلا سؤال ولا جواب، مع اختلافهم في الفروع، هذا ولم ينقل عن أبي حنيفة رضى الله عنه أنه سأل عن حال الإمام في المسجد الحرام مع أنه حج مرارًا، والعبرة في هذا راجعة إلى الإمام وليس إلى المقتدي. ويندب للإمام مراعاة الخلاف والخروج منه.

    والله تعالى أعلى وأعلم.
     

    دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي

    رقم الفتوى: 146 تاريخ النشر في الموقع : 06/12/2017

    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة