• حكم عظام الخنزير ولحمه

    لماذا لم تذكر عظام الخنزير وشحمه في نص تحريمه؟

    الخنزير كله محرم، لحمه وشحمه وعظمه بنصوص الآيات الكريمة في ذلك مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ [البقرة: 173].

    وقوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[١٤٥]﴾ [الأنعام: 145] إلى غير ذلك من الآيات.

    والآيات هذه وإن لم تنص على غير اللحم إلا أن الشحم داخل فيه، إذ اللحم اسم عام يشمل كل ما يؤكل من اللحم والشحم وغيرهما بخلاف الشحم فإنه لا يشمل اللحم، فكل لحم شحم ولا عكس كما قرر ذلك أهل العلم من المفسرين وغيرهم.

    فقد قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره -جامع أحكام القرآن ج2 ص222 في المسألة الخامسة عشرة من مسائل آية البقرة المذكورة آنفًا- قال ما نصه: «خصّ الله تعالى ذكر اللحم من الخنزير ليدل على تحريم عينه ذُكِّي أو لم يُذَكَّ، وليعم الشحم وما هناك من الغضاريف وغيرها». اهـ.

    وقال في المسألة السادسة عشرة: «أجمعت الأمة على تحريم شحم الخنزير»، ثم قال: «وقد استدل مالك وأصحابه على أن من حلف ألا يأكل شحمًا فأكل لحمًا لم يحنث بأكل اللحم»، يعني: لأن اسم الشحم لا يعم اللحم -لما بينهما من العموم والخصوص المطلق- قال: «فإن حلف ألا يأكل لحما فأكل شحمًا حنث، لأن اللحم مع الشحم يقع عليه اسم اللحم فقد دخل الشحم في اسم اللحم، ولا يدخل اللحم في اسم الشحم» اهـ.

    وفي الحديث الذي رواه أبو داوود، عن ابن عباس رضي الله عنهما: «لَعَنَ الله الْيَهُودَ ثَلَاثًا: إِنَّ الله تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا، وَإِنَّ الله تَعَالَى إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ»[1].

    فالحرمة تسري على الخنزير كله لحمه، وشحمه وعظمه وثمنه.

    وقال الألوسي في تفسيره -روح المعاني ج2 ص42-: «خص اللحم بالذكر، مع أن بقية أجزائه أيضًا حرام خلافًا للظاهرية، لأنه معظم ما يؤكل من الحيوان وسائر أجزائه كالتابع له» اهـ.

    إذا تقرر ذلك علم أن ذكر اللحم شامل لكل أجزائه من لحمه وشحمه وغضاريفه وجلده، فكله حرام بنصّ الآية، على أنه يمكن أن يقال: إن ذكر اللحم خرج مخرج الغالب حيث إن غالب من يريد الخنزير إنما يريده للحمه، فنصّ عليه، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له كما يقرره الأصوليون، كما في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: 23]، فإن الربيبة محرمة سواء كانت في الحِجر أو غيره، ولكن لما كان غالب الربائب يكنَّ في الحجور نصّ عليه، ولا يدل على إباحتها إذا خرجت عن الحجر.

    وعلى تحريم الخنزير اتفقت جميع الأديان السماوية، ولم يبح مطلقًا، وما نراه من إباحته عند النصارى ومن شايعهم اليوم إنما هو من التلاعب في أديانهم، ولا يدل على إباحته في شريعتهم[2].

    وقد بين أهل العلم الحكمة في تحريم الخنزير بما توصلوا إليه من اكتشافات مهمة يطول ذكرها[3].

    والله تعالى أعلم.

    [1] سنن أبي داود (2/302)، كتاب البيوع، باب في ثمن الخمر والميتة، حديث رقم (3488)، وهذا لفظه، ورواه أحمد في المسند (1/322)، وأصله في الصحيحين.
    [2] انظر الذبائح في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد الله العبادي ص149.
    [3] يمكن أن تنظر في المرجع السابق، أو في كتاب: حكمة وأسباب تحريم لحم الخنزير في العلم والدين -للطبيب سليمان قوش، أو غيرهما.

    دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي

    رقم الفتوى: 387-1 تاريخ النشر في الموقع : 06/12/2017

    تواصل معنا

التعليقات