• الاستشفاء بجلوس النساء والأطفال تحت المنبر وحال الخطباء والأئمة في بلاد مصر

    دخلت مسجد شطا يوم جمعة للصلاة فلما صعد الإمام المنبر، وحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم؛ بكى صغير تحت المنبر وصاح، فشوش على الناس، فقرع الإمام المنبر بالسيف مرات متواليات، ورفع صوته بما يقول، فلم يسكت الصغير، ولم يقم أحد لأخذه. فقال الإمام: أما فيكم أحد يأخذ هذا الصغير؟ أخرجوه ومن معه، فقام رجل وأخذه وأخرج معه ثلاث نسوة بعد جلوس طويل انتهى بنزوله، وقوله لهن: والله إن لم تخرجن لأضربنكن بالسيف، فوقفت إحداهن بالصغير أمام المنبر بين الناس، فقال: أخرجوها هي ومن معها، فإن هذه بدع ولا يجوز دخولهن في مساجد الله بهذا الشكل، فصاح عليه أحد سكان هذه القرية قائلًا: أنت مالك ومالها. فقال له: اسكت. فجاوبه الرجل بقوله: دانت موش عالم، هو انت إمام، والله نطلعك من هنا هي صلاتنا وراك راح تدخلنا الجنة. فنزل الإمام وقال له: صل بالناس. فقمت أنا وواحد صاحبي وصالحناه، فصعد المنبر، وأردنا ملاطفة الثاني فلم يزده ذلك إلا نفورًا حتى قال: أنا موش عاوز أصلي وراك ولا أنا عاوز الجنة اللي جاية لنا من صلاتنا وراك، والله ما عُتُّ مصلي وراك يا راجل انت. فمانعته الخروج خوفًا عليه من ارتكاب هذا الإثم، فأبى إلا تنفيذ يمينه.

    حصل ذلك، والناس قد هاجوا وعلا ضجيجهم، والإمام يقول: لا تفوتنا الصلاة فإنها تمتد إلى قبيل العصر، فلما سكت الناس خطب وصلى بهم، فسألتُ عن جلوس النسوة تحت المنبر، فقيل لي أن الصغير مريض، والنساء يعتقدن أنه يبرأ بجلوسهن به تحت المنبر أثناء الخطبة. فهل أصاب الإمام في عمله أم أخطأ؟ وما جزاء هذا الإثم؟ وما رأيكم في هذا الاعتقاد؟ وهل ورد أن يكون للمنبر بابان متقابلان كما تعهدون في المنابر؟ أفيدونا أفادكم الله.
     

    أصاب الإمام في منع النساء والأطفال من القعود تحت المنبر للاستشفاء، وأخطأ ذلك الجاهل المعارض له، وما قاله يشبه أن يكون هزءًا بالدين واستخفافًا واحتقارًا للجنة. ولبعض الفقهاء كلام في تكفير من يستهزئ بالعبادة وبالجنة أو النار، وإذا لم يكن مثل هذه الأقوال مما يرتد به المسلم فهو مما لا يصدر عادة عن عارف بالدين يذعن له ويحترمه. وأكثر هؤلاء المقلدين، لا سلطان للدين على عقولهم وقلوبهم، وإنما يصلي أحدهم لأنه تعود على هذه الحركات التي يسمونها صلاة، فإذا عارض الصلاة هواه أو غضبه تركها بلا مبالاة.

    وينبغي للناس احترام إمامهم وخطيبهم ما داموا راضين بإمامته، ولكن الحكام هم السبب في احتقار الناس لأئمة الصلاة والخطباء لأنهم يعهدون بهذا المنصب الذي هو من مناصب ورثة الأنبياء إلى الفقراء الجهلة، ولو جعلوهم من العلماء المدرسين، وجعلوا رواتبهم كافية مانعة من احتياجهم إلى الطمع في الصدقات لاحترمهم الناس وكان في احترامهم إعلاء لشأن الدين.

    ألا ترى أن ذلك الأحمق قد أنكر على الخطيب، وأظهر احتقاره وعدم العمل بما أمر به محتجًّا عليه بأنه غير عالم. ومن تدبر أمثال هذه الوقائع يتجلى له ما في مشروع الأستاذ الإمام في إصلاح المساجد من الفائدة، ولكن أهواء السياسة قد هبت من قصر الإمارة على لائحة ترتيب المساجد فنسفتها وألقتها في قصر الدوبارة، وصار الأمر فيها إلى اللورد كرومر، ولا يدري إلا الله ما هو صانع فيها. أما جعل المنبر بالكيفية المعروفة، فليس له أصل في الدين، فلا مانع منها ولا مقتضي لها[1].

    [1] المنار ج7 (1904) ص501.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 88 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات