• شرب الدخان في مجلس القرآن

    قد سئلت عن حكم من يحضر لسماع أو تلاوة القرآن العزيز مستعملًا لشرب الدخان -المسمى بالتبغ- ولكوني أرى الحكم على غير رأي من ذهب فقال بالحرمة، أو من قال بالكراهة بدون استناد منهما لشيء مما يقطع بصحة الحكم؛ أمسكت عن الجواب، وانثنيت لآخذ رأي من آتاه الله بسطة في العلم، ناظرًا بماذا يرجع إليه رأيه في ذلك، وإليك رأينا: نحن لا نرى في حق من شرب الدخان وقت تلاوة أو سماع القرآن الشريف أنه ارتكب محظورًا يجعله الشارع في حقه مكروهًا أو محرومًا. وكيف يتسنى لنا ذلك؟ ونحن على ما نعلم أنه لم يقم دليل من كتاب الله أو سنة على حرمة أو كراهة ذلك على من ذكرنا، فهو عندنا لم يخرج عن كونه نباتًا تحول بالحرق لمادة كربونية، ثم انتشر في الهواء مثل تحول الفحم النباتي وبقية المواد القابلة للاحتراق كذلك.

    ومتى كنا نعلم أنه لم يقل أحد بتحريم أو كراهة استعمال ما يتسبب عنه انتشار ما يتولد بالحرق من نحو الفحم النباتي في مجلس من ذكرنا، فلا يخول لنا القياس أن نخصص أحدهما بالحكم دون الآخر، متى كان الكل متحولًا لما هو من نوع واحد. فما يحكم به على الواحد، يحكم به على غيره، وإلا كان هناك ترجيح بلا مرجح، ولا يمكن مع هذا المتخيل أن يرى فيما ذكرنا انحطاطًا بكرامة الألفاظ المتلوة متى كانت الآداب مرعية من الجانبين.

    ولا يقال: إنه من الصوارف، عما هو المقصود من المتلو مادامت الأسماع والقلوب ليست في أكنّة، ولا يقال أيضًا: من شروط تلاوة المتلو طهارة محله. وحمض الكربون بانتشاره في محل المتلو يجعله قذرًا، لأنه ليس مما عُدّ في الشرع مستقذرًا، بل صار في زماننا هذا مستطابًا لنفوس الكثيرين، وانتشر في سائر أنحاء الكرة الأرضية، وجنح إلى تعاطيه أكثر الناس -حتى الأطفال والنساء لاسيما المخدرات- والشيء كما قيل يعطي حكم وقته. هذا ما يظهر للناظر من تلك الجهة -جهة الاستعمال- أما إن نظر لهذا الجوهر من جهة أنه يضر بصحة المتعاطي، حيث يجلب لجسمه الخطر الجسيم، أو أنه يضر الحاضرين بالنظر لاتحاد حمض كربونه بالهواء المجاور فيجعله غير صالح للتنفس تمامًا، فذاك نظر من جهة أخرى له حكم آخر، ولو لم يكن بمحضر القرآن. هذا وليعلم المطّلِع على ما كتبنا، أن تصدينا له ليس من قبيل الميل لما نهوى، فإننا وربك ما تعاطينا شرب هذا الدخان عمرنا فلا يحمله ذلك على أن يقول: هذا امرؤ يختار حكما لما يشتهي، وإنما مقصدنا بيان الحق في ذلك، فجئ بجوابك الفصل أيها العالم الحكيم، وأنت الحكم الذي ترضى حكومته والسلام.
     

    إن الذين يتأثمون من التدخين المعروف في مجلس القرآن، لا يبنون ذلك على نجاسة مادة النبات، ولا على كونه أخسّ من غيره أو نجسًا، ولا على كون التدخين يقتضي لذاته الإعراض عن الفهم والتدبر، وإنما يرون ذلك ينافي الأدب لأن مجلس القرآن أفضل من مجالس العلم بغير القرآن، ولا شك أن من يدخن في مجلس درس العلم سواء كان في مدرسة نظامية أو مسجد يعدّ مخلًا بالآداب، فإذا كان عُرف البلد يعدّ التدخين حال التلاوة أو سماعها مخلًا بالأدب، فالقول باجتنابه ظاهر، وإذا لم يكن ذلك عرفًا عامًا فعلى كل امرئ أن يعمل بما يعتقده وتطمئن إليه نفسه، ومن كان أقرب إلى الأدب كان أبعد عن توجه الإنكار عليه.

    هذا ما ظهر لنا في المسألة بعرضها على قواعد الشريعة وآدابها، والله أعلم وأحكم[1].

    [1] المنار ج7 (1904) ص537-539.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 94 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات