• حكم المصاب بسلس البول

    السائل مسلم متدين يصوم شهر رمضان ولكنه لا يصلي؛ لأنه يعتقد أن صلاته لا تصح؛ لأن حالته المرضية تجعله غير أهل للصلاة؛ لأن الصلاة يشترط لصحتها طهارة الجسم والثوب وهذا غير متحقق؛ ذلك لأنه عندما يتبول ويغسل مكان التبول جيدًا تنزل منه قطرات من البول على جسمه وملابسه؛ إذ لا يستطيع التحكم في منع هذه القطرات من النزول مهما عمل، وبالرغم من أنه حاول علاج نفسه من هذه الحالة عند أطباء المسالك البولية دون جدوى أو فائدة، وهو يريد أن يصلي ولكنه يتحرج من الصلاة لهذه الحالة المرضية. وطلب السائل بيان حكم الشرع في حالته، وكيف تصح صلاته؟

    إن من شروط صحة الصلاة في الإسلام طهارة الثوب والجسد من النجاسات، نجد هذا واضحًا وصريحًا في قول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[٦]﴾ [المائدة: 6] ونجد هذا كذلك في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ[٤]﴾ [المدثر: 4]، ولقد أبانت السنة الشريفة أهمية وضرورة التطهر من البول والتنزه عنه في الثوب والجسد، حث على هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أنس: «تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلِ»[1]، وفيما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- من أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: «إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَولِهِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ»[2]، وفي رواية لمسلم وأبي داود «يَسْتَنْزِهُ»، وإعمالًا لهذه النصوص وغيرها من القرآن والسنة اتفق فقهاء المسلمين على أن الوضوء ينتقض بالخارج من القبل أو الدبر مطلقًا في حال الصحة، فإن كان هذا الخارج حال المرض كسلس البول بمعنى استرساله واستمرار نزوله وعدم استمساكه كان صاحب هذه الحال معذورًا في عرف الفقهاء، وقد أوجبوا على صاحب مثل هذا العذر بعد التبول والاستنجاء عصب مخرج البول بما يمنع نزوله بقدر المستطاع، واختلفوا في حد السلس الذي يصير به صاحبه معذورًا: ففي الفقه المالكي أن يلازم عليه أوقات الصلاة أو نصفها، وأن يكون غير منضبط، وألا يقدر على رفعه بالتداوي مثلًا. وفي الفقه الحنفي: أن من به سلس بول ولا يمكنه إمساكه يقال له معذور، ويثبت عذره ابتداء إذا استمر نزول البول وقتًا كاملًا لصلاة مفروضة. وفي فقه الإمام أحمد: أنه يصير معذورًا إذا دام الحدث أي نزول البول دون انقطاع وقتًا يتسع للطهارة والصلاة، وحكم المعذور في فقه المذهب الحنفي وهو ما نميل للفتوى به في هذا الموضع: أن يتوضأ صاحب هذا العذر لوقت كل صلاة ويصلي بوضوئه هذا ما شاء من الفرائض والنوافل، ومتى خرج الوقت الذي توضأ لفرضه انتقض وضوؤه، وعلى ذلك فلا يصلي فرض العصر في وقته بوضوء فرض الظهر في وقته، لما كان ذلك فإذا كانت حالة السائل تجعله معذورًا بمعنى أن البول يتقاطر منه بعد الاستنجاء على جسده وملابسه ويعجز عن حبسه -وهذا ما يظهر من واقعات السؤال- وجب عليه أن يحاول قدر الاستطاعة الإقلال من نزول البول بعد الاستنجاء بربط مخرج البول وحشوه ثم يتوضأ لوقت كل صلاة ويصلي بوضوئه ما شاء من الفرائض والنوافل في ذات الوقت، فإذا خرج الوقت بحلول وقت صلاة فريضة أخرى انتقض وضوؤه ووجب عليه الوضوء للوقت الجديد، ولا يضره ما يصيب ثوبه أو جسده من تقاطر البول إن لم يمكن حبسه برباط أو غيره، ولا يجب عليه غسله ما دام مريضًا أو معذورًا بتقاطر البول أو استمراره؛ إذ الإسلام يسر لا عسر فيه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] فاستقم على طاعة الله وتوضأ وصل الفرائض والنوافل واستعن بالله ولا تعجز، فقد قال سبحانه تعليمًا بعد الأخذ بالأسباب: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ[٨٠]﴾ [الشعراء: 80]. والله سبحانه وتعالى أعلم.

    المبادئ:-

    1- سلس البول من الأعذار التي تبيح لصاحبها الصلاة معه.

    2- أوجب الفقهاء على صاحب مثل هذا العذر بعد التبول والاستنجاء عصب مخرج البول بما يمنع نزوله بقدر المستطاع، مع خلاف بينهم في حد السلس الذي يصير به معذورًا.

    3- حكم المعذور في فقه المذهب الحنفي أن يتوضأ لوقت كل صلاة.

    4- لا يضره ما يصيب ثوبه أو جسده من تقاطر البول إن لم يكن حبسه برباط أو غيره.

    بتاريخ: 31/1/1981

    1) نيل الأوطار ج1 ص 93.

    2) نيل الأوطار ج1 ص 91.

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 112 س:115 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: جاد الحق علي جاد الحق
    تواصل معنا

التعليقات