• صلاة المريض

    يقول السائل:

    أولًا: أنه قد بلغ من العمر 78 عامًا ومريض بروماتيزم المفاصل مما لا يمكنه أداء الصلاة قائمًا إلا إذا كان مستندًا على حائط أو عصا. ويسأل عن حكم ذلك شرعًا.

    ثانيًا: في بعض الأوقات يخرج منه نقطة من البول بدون أي مناسبة كما يحصل ذلك بعد الوضوء وفي أثناء الصلاة، ويسأل عن تأثير ذلك على صحة الوضوء والصلاة.
     

    أولًا: اتفق فقه المذاهب على أن القيام في الصلاة المفروضة في موضعه منها فرض على المستطيع، وأنه متى أخل المصلي بالقيام مع القدرة بطلت صلاته استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، وبحديث عمران بن حصين -رضي الله تعالى عنه- قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فقال: «صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»[1] رواه البخاري وأبو داود، وزاد النسائي: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا»، كما اتفق الفقهاء على أن من لم يستطع القيام في صلاة الفرض كان له أن يؤديها قاعدًا كما جاء في هذا الحديث الشريف، وأنه إذا لم يقدر على النهوض للوقوف في الصلاة إلا بمعين وكان إذا نهض لا يتأذى بالقيام لزمه الاستعانة إما بمتبرع وإما بأجرة المثل إن وجدها، وكذلك إن قدر على القيام متكئًا على عصا أو مستندا إلى حائط من غير ضرر ولا أذى يلحقه في جسده وجب عليه القيام في صلاة الفرض؛ لأنه صار في حكم القادر، لما كان ذلك كان للسائل إذا استطاع القيام في صلاة الفرض سواء بنفسه أو بأية وسيلة مما تقدم دون ضرر ولا أذى لزمه ذلك فإن عجز عن الوقوف بنفسه أو بوسيلة مساعدة كان له أن يصلي قاعدًا أو يسقط عنه الوقوف؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالشيءِ فَخذُوا بِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ»[2]، وقد أجمل ابن جزي أحوال صلاة المريض اتفاقًا استنباطًا من السنة الشريفة بقوله: «صلاة المريض: له أحوال أن يصلي قائمًا غير مستند فإن لم يقدر أو قدر بمشقة فادحة صلى قائمًا مستندًا ثم جالسًا مستقلًا، ثم جالسًا مستندًا، ثم مضطجعًا، ثم على جنبه الأيمن مستقبل القبلة بوجهه، ثم مستلقيًا على ظهره مستقبل القبلة برجليه، وقيل: يقدم الاستلقاء على الاضطجاع، ثم مضطجعًا على جنبه الأيسر ويومئ بالركوع والسجود في الاضطجاع والاستلقاء، فإن لم يقدر على شيء نوى الصلاة بقلبه وفاقًا للشافعي، وقيل: تسقط عنه وفاقًا لأبي حنيفة[3].

    ثانيًا: الأصل أن الوضوء ينتقض بخروج أي شيء من القبل أو من الدبر؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: 43]، وبالسنة المستفيضة، وبالإجماع، وبالقياس على الغائط، هذا قدر مقرر متفق عليه بين فقهاء المذاهب بالنسبة للإنسان الصحيح؛ إذ عليه أن يتحقق من صحة طهارته بالاستنجاء وغسل القبل والدبر جيدًا، وألا يتسرع في الغسل بمجرد انقطاع نزول البول بل يتريث ريثما ينقطع نهائيا وينتهي إحساسه بالحاجة إلى التبول، أما من به مرض مما سماه الفقهاء سلس البول أو سلس المذي وهو نزول قطرات ماء من القبل في فترات متقطعة مع العجز عن التحكم في منع نزولها، فقد قال الفقهاء: إن من هذا حاله حكمه حكم المرأة المستحاضة التي يسيل منها الدم مرضًا ونزيفًا لا حيضًا، ذلك الحكم هو وجوب غسل محل النجاسة، ثم حشو عضو التبول والربط عليه ربطًا محكمًا، ثم الوضوء لكل وقت صلاة مفروضة، والمبادرة بالصلاة بعد الوضوء، ويصلي من هذا حاله بهذا الوضوء ما يشاء من الصلوات وينتقض وضوؤه بانتهاء وقت الصلاة المفروضة التي توضأ لها، ويتوضأ لفرض آخر بدخول وقته، والأصل في هذا حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم في المستحاضة: «تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ، وَتَصُومُ، وَتُصَلِّي، وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ»[4]، وفي الباب أحاديث أخرى؛ لما كان ذلك كان على السائل المبادرة بالصلاة عقب الوضوء إذا كان نزول نقط الماء منه في أوقات متباعدة وأن يتريث ولا يسارع إلى الاستنجاء إلا إذا انتهى إحساسه بحاجته للتبول، فإذا لم يستطع أو كان نزول نقط البول أو المذي اضطرارًا ولا يمكن التحكم فيه وقت الصلاة كان عليه بعد الاستنجاء أن يحشو فتحة عضو التبول منه ويربط عليه ربطًا جيدًا محكمًا، ثم يتوضأ لوقت كل صلاة، وبهذا لا تتنجس ثيابه بما ينزل منه، وليعلم أن عليه التطهر للصلاة بقدر الاستطاعة وفي نطاق ما تقدم إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وهو القائل في كتابه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].

    والله سبحانه وتعالى أعلم.


    المبادئ:-

    1- فقهاء المذاهب متفقون على أن القيام في الصلاة المفروضة في موضعه منها فرض على المستطيع، وإلا بطلت صلاته.

    2- من لا يقدر على النهوض للوقوف في الصلاة إلا بمعين ولا يتأذى بالقيام، لزمه الاستعانة إما بمتبرع، وإما بأجرة المثل، أو إن قدر متكئًا على عصا أو مستندًا إلى حائط، وجب عليه القيام في صلاة الفرض.

    3- الأصل أن الوضوء ينقض بخروج أي شيء من القبل أو الدبر، وهذا قدر متفق عليه بين فقهاء المذاهب بالنسبة للإنسان الصحيح.

    4- على الإنسان الصحيح أن يتحقق من صحة طهارته بالاستنجاء وغسل القبل والدبر جيدا، وألا يتسرع في الغسل بمجرد انقطاع نزول البول، بل يتريث ريثما ينقطع نهائيًا وينتهي إحساسه بالحاجة إلى التبول.

    5- من به سلس بول أو مذي، وهو نزول قطرات ماء من القبل في فترات متقطعة لا يتحكم في منع نزولها، حكمه حكم المستحاضة يغسل ويحشو ويربط ربطًا محكمًا ثم يتوضأ لكل صلاة مفروضة ويبادر بالصلاة بعد الوضوء.

    6- من هذا حاله يصلي بهذا الوضوء ما يشاء من الصلوات، وينقض وضوؤه بانتهاء وقت الصلاة المفروضة التي توضأ لها، ويتوضأ لفرض آخر بدخول وقته.

    7- عليه التطهير للصلاة بقدر الاستطاعة، إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

    بتاريخ: 19/10/1981

    1) رواه البخاري ج1 ص 183، وفي سنن أبي داود ج 1 ص 151.

    2)  رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- في النسائي ج 5 ص 110 باب الحج.

    3) القوانين الفقهية ص 74، تحقيق المرحوم: عبد العزيز سيد الأهل، ط دار العلم للملايين، بيروت.

    4) رواه أبو داود والترمذي.

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 155 س:115 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: جاد الحق علي جاد الحق
    تواصل معنا

التعليقات