• حكم صلاة الجمعة في منطقة نائية

    ورد تقرير من فضيلة مفتش مساجد البحر الأحمر أثار فيه ما حدث أثناء موسم زيارة ضريح سيدي أبي الحسن الشاذلي من أنه قد حل يوم الجمعة أثناء الزيارة ولم تمكن إقامة صلاة الجمعة في هذا المكان؛ لأنه لا توجد إقامة مستقرة مطلقًا في المنطقة تصح معها صلاة الجمعة على أي من المذاهب الأربعة المعروفة، وأن الموجودين هناك قد صلوها ظهرًا. وطلبت بيان حكم الشرع في أداء فريضة صلاة الجمعة في تلك المنطقة النائية التي لا توجد بها إقامة مستقرة مطلقًا، وهل تصح صلاتها بها على أي من المذاهب الأربعة المعروفة أم تصلى ظهرًا؟

    جاء في الهداية وشرحها جزء 1 في المذهب الحنفي ما يأتي: «لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع أو في مصلى المصر -أي فنائه- ولا تجوز في القرى». وجاء في حاشية فتح القدير للكمال بن الهمام: «ولوجوبها شرائط في المصلي وهي: الحرية والذكورة والإقامة والصحة وسلامة الرجلين والعينين، وشرائط في غيره وهي شرائط صحة المصر والجماعة والخطبة والسلطان والوقت والإذن العام». والمصر الجامع هو كل موضع له أمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود، وهذا عند أبي يوسف على ما اختاره الكرخي وهو الظاهر من المذهب. وقال أبو حنيفة: المصر كل بلدة فيها سكك وأسواق وبها رساتيق ووال ينصف المظلوم من الظالم وعالم يرجع إليه في الحوادث. وهناك تفسيرات أخرى للمصر لا داعي لاستيعابها وهي في جملتها لا تصدق على القرية. وجاء في الشرح الكبير على متن خليل للإمام الدردير في مذهب المالكية: «شرط صحة الجمعة وقوع كلها بالخطبة وقت الظهر مع استيطان بلد أي العزم على الإقامة فيه بنية التأبيد أو أخصاص جمع خص وهو البيت من القصب وغيره. ولا تصح إقامتها في خيم من قماش أو شعر؛ لأن الغالب على أهلها الارتحال فأشبهت السفن. نعم إذا كانوا مقيمين على مسافة نحو فرسخ من بلدها وجبت عليهم تبعًا، ولا تنعقد بهم، وفي جامع بني بناء معتادًا لأهل البلد متحد، وإن تعددت المساجد فالخطبة للعتيق». وجاء في حاشية الدسوقي على هذا الشرح تعليقًا على قوله: «مع استيطان بلد» شرط الصحة وقوع الجمعة في بلد مستوطنة. أما الاستيطان -أي استيطان الشخص نفسه وإقامته- فهو شرط وجوب.

    ولا شك أن كون البلد مستوطنة شرط في صحتها وينبني على هذا -كما قال ابن الحاجب- أنه لو مرت جماعة بقرية خالية فنووا الإقامة فيها شهرًا وصلوا الجمعة بها لم تصح لهم كما لا تجب عليهم، وجاء في حواشي تحفة المحتاج بشرح المنهاج جزء 2 في مذهب الشافعي: «أن شرط وجوب الجمعة بالنسبة للشخص الإسلام والبلوغ والعقل والحرية والذكورة والإقامة بمحلها أو بما يسمع منه نداؤها، ويشترط لصحتها شروط منها أن تقام في خطة أبنية أوطان المجمعين بحيث يسمى بلدًا أو قرية واحدة، والمراد بالخطة مكان من البلد أو القرية يعتبر منها عادة». وجاء في حاشية الشرواني عليها: «الشرط أن تقام في مكان من بلد أو قرية به أبنية مجتمعة يتخذها العدد الذي تقوم به الجمعة وطنا لهم بحيث لا يظعنون منها شتاءً ولا صيفًا إلا لحاجة». وجاء في شرح منهج الطلاب وحاشية البجيرمي عليه جزء 1: «ومن شروط صحة الجمعة أن تقع بأبنية مجتمعة ولو بفضاء سواء كانت من حجر أو طين أو خشب أو غيرها. فلا تصح من أهل خيام بمحلهم وإن لازموه أبدا؛ لأنهم على هيئة الـمستوفزين -أي المستعدين للرحيل- فإن سمعوا النداء من محلها لزمتهم فيه تبعا لأهله؛ لأنها لم تقم في عصر النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين إلا في مواضع الإقامة». وجاء في حاشية البجيرمي عليه: «إذا أقام الجمعة أربعون في خطة الأبنية وخرجت الصفوف إلى خارج الأبنية مما هو حريمها أو صلى جماعة هناك تبعًا للأربعين في الأبنية صحت جمعتهم تبعًا بخلاف ما لو صلى الجميع في ذلك الفضاء الخارج أو كان من في الخطة دون الأربعين، فإنه لا يصح».

    وجاء في الإقناع في مذهب الإمام أحمد بن حنبل جزء 1: «يشترط لصحة الجمعة شروط منها أن تقوم بقرية مجتمعة بما جرت العادة بالبناء به من حجر أو لبن أو طين أو قصب أو شجر يستوطنها أربعون بالإمام من أهل وجوبها استيطان إقامة لا يظعنون عنها صيفًا ولا شتاءً، فلا تجب ولا تصح من مستوطن بغير بناء كبيوت الشعر والخيام ونحوها، ولا في بلد يسكنها أهلها بعض السنة دون بعض، أو بلد فيها دون العدد المعتبر أو متفرقة بما لم تجر العادة به ولو شملها اسم واحد وإن خربت القرية أو بعضها وأهلها مقيمون بها عازمون على إصلاحها فحكمها باق في إقامة الجمعة بها وإن عزموا على النقلة عنها لم تجب عليهم الجمعة؛ لعدم الاستيطان، وتصح فيما قارب البنيان من الصحراء ولو بلا عذر لا فيما بعد». تلك هي النصوص الفقهية الخاصة بشروط صحة صلاة الجمعة ووجوبها بالنسبة لمكان إقامتها، ويتضح منها أنه لا تصح إقامة صلاة الجمعة في المنطقة التي يوجد بها ضريح سيدي أبي الحسن الشاذلي؛ لعدم وجود المكان المشترط لصحة إقامتها طبقًا لما جاء في تلك النصوص، وأن الواجب في مثل هذه الحالة هو إقامة صلاة الظهر أربع ركعات طبقًا لما هو مقرر ومعروف.

    المبادئ:-

    1- يرى الحنفية عدم صحة الجمعة إلا في مصر جامع أو في مصلى المصر ويرى المالكية صحة الجمعة إذا وقعت مع الخطبة في وقتها بشرط الاستيطان ولا تصح عندهم في خيم من قماش أو شعر.

    2- يرى الشافعية أن من شروط وجوب الجمعة الإقامة بمحلها.

    بتاريخ: 11/5/1968

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 21 س: 105 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: أحمد محمد عبد العال هريدي
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة